الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

"كيريوسيتي"...فى طريقها لإستكشاف المريخ



شهد العالم بأسره يوم السبت الماضى الإنطلاق التاريخى الناجح لواحدة من أهم العربات الإستكشافية فى طريقها إلى كوكب المريخ . العربة المريخية "كيريوسيتى Curiosity" و هى الترجمة الإنجليزية لـ "الفضول" أو "حب الإستطلاع" و هو فى حقيقة الأمر إسم على مسمى يبين بكل وضوح الدافع وراء إطلاق العربة المريخية الأسطورية.

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

مرض السرطان: ليس حديث العهد كما كنا نتصور

فى وقت ما منذ ما يقرب من 2250 عام عانى مصرى قديم فى عصر البطالمة نطلق على موميائه اليوم إسم "M1" ، من مرض مجهول صاحبه ألم شديد فى إسفل الظهر.و مع إنتشار مرضه فى مناطق إخرى من جسده ، اضحت حركته صعبة و مضنية. و بعد وفاته البطيئة متدثرا فى آلامه ، سارع أهله بدفع تكلفة تحنيطه بالرغم من أنه ليس من طبقة الصفوة أو الأغنياء إلا أنهم قد ارتؤوا تجهيزه لكى يبعث فى حياة أخرى رغدة سعيدة يعوض فيها ما عاناه فى الدنيا من آلام مريرة.

أما الرغد و السعادة فقد كانا من نصيب الفريق البحثى القائم على مومياء "M1"، و بعد قرون طويلة مرت على تحنيطه يرسلون بتحياتهم إلى ذويه فى "العالم الآخر" فلولا إتخاذهم قرار تحنيط "M1" لم يكن الباحثون ليتعرفوا على أقدم حالة من سرطان البروستاتا فى مصر القديمة و ثانى أقدم حالة فى التاريخ. سعادة الفريق البحثى كانت لأن إكتشافهم هذا بمثابة الضربة القاضية لضحض النظرية القائلة بأن مرض السرطان من صنع الإنسان الحديث و ما فى ذلك من إلقاء باللوم على الثورة الصناعية و تبعاتها .


و للسرطان تاريخ...

إن تاريخ مرض السرطان موغل فى القدم أكثر مما نتخيل، حتى أنه يعود إلى ما قبل التاريخ، فى عصر سادت فيه الأرض زواحف عملاقة إسمها الديناصورات! تخبط "جروجوصورس"- آكل اللحم- كثيرا و أصيب بالعديد من الكسور و الجروح الغائرة المندملة كما كان واضحا على هيكله العظمى البالغ من العمر 72 مليون عام و المكتشف سنة 1997 ، لم يكن ذلك لضعف الجروجوصورس المسكين و قلة حيلته بين أقرانه آكلى اللحم ،إنما إصابته بورم ضخم بحجم كرة البيسبول فى المخ أفقده السيطرة على إتزانه و من ثم تعرضه الدائم للإصابات البالغة. لم يكن هذا الإكتشاف الأول و لا الأخير لأورام سرطانية فى الديناصورات، وجد دكتور "روتشيلد" أن ظاهرة مرض السرطان فى الديناصورات تستحق بحث موسع و شامل ، فحمل معه جهاز المسح بأشعة أكس و سافر إلى شمال أمريكا بصحبة فريقه البحثى من جامعة أوهايو لإجراء مسوح على 10000 فقرة ظهرية لأكثر من 700 عينة من المتحف لأنواع مختلفة من الديناصورات. و بالفعل كانت نتيجة المسح إكتشاف 29 ورم عظمى من 97 و هو العدد الكلى لعينات ديناصورات "هيدروصوراس" آكلة العشب.

أما الأسباب وراء إصابة الديناصورات بالسرطان فى هذه الحقبة البعيدة من الزمن هو لغز تعددت فيه النظريات ، أكثر هذه النظريات جموحا تلك التى فسرت الوفاة الجماعية و المفاجأة للديناصورات. مع دراسة علماء الفلك لعمق كوننا وجدوا أن كوكب الأرض قد تعرض لكميات متغيرة من الإشاعات القادمة من الفضاء على مدار عمرها و بناءا على تلك الملاحظة ، رجحت إحدى النظريات المتحمسة أن أوراما سرطانية سببتها إشعاعات متأينة من الفضاء ربما قضت على الديناصورات عن آخرها! لم تبقى تلك النظرية طويلا على الساحة العلمية إذ سقطت سقطة مدوية بدفعة من دراسة حديثة أجراها "روتشيلد"، قارن فيها ما بين معدل حدوث مرض السرطان فى فقاريات العصر الحالى و معدل حدوثه فى العينات الـ 700 التى أجرى عليها دراسته السابقة و كانت النتيجة أن معدل الحدوث واحد تقريبا و لم يختلف من ملايين السنين عن الآن.


رؤية ساخرة: التدخين هو السبب وراء إصابة الديناصورات بمرض السرطان!!

إختفت الديناصورات من على وجه الأرض و إختلفت الآراء حول السبب ، و لكنها أفسحت المجال لظهور أشكال جديدة للحياة على كوكب الأرض و من أهمها ظهور الإنسان و بقى السرطان عاملا مشتركا. تناولت البرديات المصرية القديمة وصفا لمرض السرطان، وتعد بردية "إيبرس" (1500 قبل الميلاد) كتابا متكاملا لأنواع الأورام المختلفة مع العلاجات المتاحة لكل نوع لكن معظم تلك العلاجات معتمدة على السحر و الرقيات.


بردية إيبرس

إحتوت الكتابات الإغريقية منذ القرن الخامس قبل الميلاد عن مرض السرطان، و شارك العالم الإغريقى "أبقراط" الملقب بـ "أبو الطب" بالنصيب الأكبر آنذاك فقد لاحظ طبيعة الورم السرطانى و ميز شكله على هيئة "سرطان البحر Carcino" و من هنا جاءت تسميته، كما ميز الإغريق ما بين الأورام الحميدة و الخبيثة.

و كما شهَدت الأدبيات العلمية القديمة المتمثلة فى البرديات و الكتابات على إنتشار مرض السرطان قديما ، شهَدت مومياءاتهم أيضا على ذلك. فحصت جمعية علم الأمراض القديمة التى تأسست فى سبعينات القرن الماضى ، مئات المومياءات المصرية القديمة كما درس نادى الأمراض القديمة التابع لجامعة فيرجينا مئات أخرى من المومياءات من تشيلى و بيرو ، فكانت النتيجة إكتشاف العديد من الأورام السرطانية الحميدة فى الأيدى و الأرجل و بعض الأورام التى أصابت الأعصاب. كانت الأورام الخبيثة أيضا لها نصيب من الإكتشاف، فى مومياء طفل من تشيلى يرجع تاريخها إلى عام 003-600 م. و مؤخرا كان إكتشاف العالم "زيمرمان" فى 2003 لحالة سرطان المستقيم فى مومياء مصرية قديمة تعود إلى العصر البطلمى وُجدت فى الواحات الداخلة.

السرطان: مرض قديم أم حديث أم شئ فيما بينهما؟!

العنوان السابق كان لمقال نشره "زيمرمان" فى 2010 تناول فيه تاريخ مرض السرطان و خلص فى نهاية مقاله أن السرطان مرض حديث النشأة من صنع الإنسان! وأن الأورام المكتشفة فى المومياءات القديمة هى حالات أغلبها غير مؤكد أما المؤكد منها إن دل على شئ فهو يدل على ندرة المرض قديما لأن مسبباته غير موجودة فى الطبيعة، فبيد الحداثة و التطور تعاظم مرض السرطان و أصبح المسئول
الثانى عن موت البشر بعد الأمراض القلبية فى العالم الحديث.

لقى مقال زيمرمان نقدا واسعا من جموع العلماء و المتخصصين، لأن رؤية زيمرمان لعدم وجود أى مسببات فى الطبيعية قادرة على حث مرض السرطان للظهور و هو رأى خاطئ تماما. الديناصورات آكلة العشب "هيدروصوراس" ربما أصيبت بالسرطان لأكلها من أوراق الأشجار من فئة الصنوبريات المحتوية على مواد مسرطنة. الأشعة فوق البنفسجية تنبعث من الشمس منذ بدء الخليقة و سرطان الجلد نتيجة طبيعية للتعرض لها، كذلك إستنشاق الدخان و مخلفات الإحتراق (السناج الأسود) مسبب للسرطان، ناهيك عن الإصابة بالعدوى من الفيروسات المنشرة حولنا و التى تصيب بسرطانات فى الكبد و الحوض.لذا فإن الإنسان القديم لم يكن بمعزل عن المواد المسرطنة كما هو الحال مع الإنسان الحديث.

يعانى البشر اليوم من تبعات التطور فوجدت المواد المسرطنة لها مكانا فى البيئة المحيطة و الطعام. بالرغم من هذه الحقيقة فإن حدوث مرض السرطان فى عصرنا الحديث يعتمد بشكل أساسى على نمط و أسلوب حياة الفرد ، إلى جانب العوامل الطبيعية الخارجة عن إرادتنا بالطبع . لكن ذلك الأمر و لحسن الحظ يمكن لكل فرد التحكم فيه ، التدخين كمثال مسئول عن ربع حالات الإصابة بالسرطان حول العالم ، و منعه نهائيا يمكن أن يخفض الإصابة بالمرض. إنتهاج الإنسان لأسلوب حياة صحى قائم على نظام غذائى سليم و تجنب السمنة بممارسة الرياضة بشكل دائم و الإبتعاد قدر الإمكان عن مسببات السرطان المعروفة مثل التدخين و تناول المشروبات الكحولية و التعرض لأشعة الشمس لفترات طويلة ، تجعله بمأمن من المرض.


الخلاصة: السرطان مرض قديم

الحضارات القديمة لم تكن متطورة بالشكل الكافى فى مجال إكتشاف و علاج الأمراض فكان متوسط حياة الفرد آنذاك لا يتعدى 40-50 عام. بالتالى لم يكن مرض السرطان سمة ظاهرة ، حيث أن السرطان مرض مرتبط بالتقدم فى العمر لأن الوقت عامل رئيسى يحتاجه المرض لكى يتكاثر و يثبت دعائمه فى جسم الإنسان لذلك يزداد حدوثه فيما بعد الـ 50 من العمر مع إمكانية حدوثه لمن هم دون هذا السن بالطبع. قُدر عمر مومياء المصرى القديم "M1" عند وفاته بنحو 51 إلى 60 ، لذا فهو قد نجى من الموت فى سن صغيرة لكنه كبر فى السن ليواجه الموت بالسرطان. فإذا كانت الفرصة سانحة للإنسان القديم أن يعيش لفترات أطول ، فإن معدل إصابته بمرض السرطان سوف تكون مساوية لقرينه الإنسان الحديث.

إن مرض السرطان قديم قدم الزمان و إكتشاف إصابة مومياء "M1" بسرطان البروستاتا كان بفضل جهاز المسح المقطعى الجديد البالغ الدقة الذى لم يستخدم قبل سنة 2005 ، و هو قادر على كشف أورام بقطر أقل من 1 مليمتر و هذه التقنية لم تكن متوفرة لزيمرمان و من قبله من علماء الأمراض القديمة الذين فاتهم إكتشاف الأورام فى المومياءات و بقايا الديناصورات بالرغم من وجودها تحت أنوفهم مباشرة و فى ذلك ضحض علمى و مباشر للقائل بأن السرطان مرض حديث من صنع البشر.

إجراء المسح المقطعى على المومياءات
__________________
المصادر:


السبت، 8 أكتوبر 2011

توأم ملتصق:رأس واحد...معا إلى الأبد

التوأم السودانى ريتال و ريتاج تستقبلان العالم منفصلتين لأول مرة فى يوم 19 من سبتمبر الماضى، بعد عام من ولادتهما متحدتين من جهة الرأس. فى جراحة ناجحة تمت مقسمة على 4 مراحل تم خلالها فصل التوأم فى لندن بفضل مجهودات 15 جراح وضعوا أقصى ما يمتلكونه من مهارات و قدرات طبية و جراحية لإنقاذ هاتين الطفلتين بالرغم من كون الجراحة محفوفة بالمخاطر لتشارك الأختين العديد من الأوعية الدموية بالمخ.



التوأم المسخ

رغم حالة التوأم السودانى النادرة إلا أنها ليست الأولى من نوعها، إنما هى حالة موثقة و مسجلة منذ الأزل. وفق التتبع التاريخى لحالة التوائم متحدة الرأس وجدت أول حالة موثقة بمدينة بافاريا الألمانية فى القرن الخامس عشر تحت تصنيف "مسخ monster " و قد فُسرت حالة المسخ أنذاك أنه قد ولد لهذه السيدة كتحذير إلهى لسوء أفعالها!! أشهر حالة لتوأم متحد الرأس كانت فى القرن السابع عشر لتوأم بنغالى، بمجرد أن ولدتهما أمهما ألقت بهما فى النيران و لكن تم إنقاذهما و عاشا لمدة 4 سنوات إلى أن توفيا جراء لدغة ثعبان (مرة أخرى كتحذير إلهى)!! و تحفظ جمجمتهما الآن فى الكلية الملكية للجراحين بلندن.

جمجمة التوأم البنغالى

ساد تصنيف "المسوخ" للتوائم المتحدة من جهة الرأس لقرون عديدة حتى قام الطبيب أوجست فورستر فى القرن الثامن عشر بإدراج مصطلح طبى جديد ليصف حالة هؤلاء التوائم تحت إسم "التوأم متحد القحفية Craniopagus twins ". "القحف" فى اللغة العربية يطلق على ما تكسر من الجمجمة أو ما قطع منها لذلك نجد المعنى ينطبق على حالة التوأم المتحد الذى يمتلك كل منهما جمجمة غير مكتملة . ظاهرة التوأم المتحد عموما نادرة الحدوث تقدر بـ 10 إلى 20 حالة لكل مليون ولادة بالولايات المتحدة الأمريكية أما ظاهرة التوأم متحد القحفية فهى تعد أكثر ندرة تقدر بـ 0.6 حالة لكل مليون ولادة.

نسبة 40 % من التوائم المتحدة القحفية تتوفى داخل الرحم و نسبة 33 % أخرى تموت فى الفترة التى تلى الولادة مباشرة بسبب العيوب الخلقية الغير قابلة للعلاج. فى حالات أخرى يعيش التوأم المتحد القحفية لفترات أطول بعد الولادة و لكنها حالات نادرة حيث أن 90 % منهم يلقى حتفه كحد أقصى قبل العاشرة من عمره و منهم من يبقى على قيد الحياة مثل التوأم الإيرانى لاليه بيجانى و لادان بيجانى اللتان عاشتا حتى سن 29 عام و عملتا بمهنة المحاماة إلى أن أجريت عملية فصلهما التى أنتهت بالوفاة. و التوأم إيفون مكارثر و إيفيت مكارثر ،ولدتا بلوس انجلوس عام 1949 و تعذرت عملية فصلهما نظرا لعمق الإتحاد فيما بينهما و عاشتا حتى الأربعينات من عمريهما ،مباشرة قبل حصولهما على شهادة التمريض.

التوأم مكارثر

لماذا التوأم المتحد؟

ولادة التوأم المتحد القحفية أو أى نوع آخر من الإتحاد و المعروف بين عموم الناس بـ"التوأم الملتصق" من جهة الصدر أو الحوض أو غيرها ، كلها ظواهر غير معروف سببها الطبى حتى الآن . عملية تكوين التوأم فى رحم الأم تتم عن طريق تلقيح بويضة واحدة بحيوان منوى واحد لتكوين الجنين ، إلا أنه فى بعض الأحيان خلال فترة الـ 12 يوم الأولى بعد التلقيح قد تنقسم البويضة الملقحة إلى جزئين أو أكثر و عندها يتكون أكثر من جنين ، من ناحية أخرى يعتقد أنه إذا ما حدث الإنقسام للبويضة بعد اليوم الثالث عشر إلى الرابع عشر من التلقيح عندها يتوقف الإنفصال قبل أن تكتمل العملية تماما و هو ما ينتج عنه توأم متحد من جهة الرأس أو الصدر أو قاعدة العمود الفقرى أو السرة أو الحوض، و فى قول آخر يتم الإلتحام بين الجنينين بطريقة ما فى مرحلة ما أثناء تكونهما. لا تعتمد ظاهرة التوأم المتحد على أى عوامل أخرى مثل العرق أو سن حمل الأم أو الجينات الوراثية أو المؤثرات البيئية.

تصنيف فورستر لحالات التوائم المتحدة

توأم القحفية

نعود إلى حالة التوأم متحد القحفية، نجد أنه ليس نوع واحد فحسب، لكن يمكن تقسيمه وفقا لمدى عمق الإتحاد إلى جزئى أو كلى. دكتور "أو كونيل" هو أول من وضع هذا التصنيف مفسرا أن الإتحاد الجزئى يتضمن جزء صغير من القحفية بدون تشوهات أو تغيرات كبيرة لكن الكلى ينتج عن مشاركة جزء كبير من القحف و إتصال عميق داخل الفجوة القحفية. و لتصنيف أكثر دقة قسم "كونيل" الإتحاد الكلى إلى إتحاد أمامى و جدارى و صدغى و خلفى (شاهدهم على الترتيب فى الصورة التالية).



تتوقف خطورة هذا الإتحاد القحفى على صحة التوأم بناءا على مدى التداخل بين "الجيوب الوريدية الجافية Dural venous sinuses". تلك الجيوب هى القنوات التى تسرى فيها الأوعية الدموية التى تحمل الدم من المخ و تقوم بتجميعه و تعيده إلى القلب لكى يحمله بالأكسجين و يعيد ضخه إلى الجسم مرة أخرى .تلك الأوعية الدموية تسمى الأوردة (ومفردها وريد) و هى تسرى فى الطبقة العلوية من المخ و المعروفة بإسم"الأم الجافية" و من هنا جاء إسمها "الجيوب الوريدية الجافية". لذا فإننا إذا أردنا إعادة تعريف الإتحاد الجزئى و الكلى فيمكننا القول أن الإتحاد الجزئى لا يتضمن مشاركة خطيرة لكل من التوأمين فى الجيوب الوريدية الجافية أما فى الإتحاد الكلى فإن المشاركة و الترابط بين نظامى الجيوب الوريدية الجافية لكل من مخى التوأمين يكون بالغ التعقيد و هنا تكمن المشكلة.لا يقتصر التشارك على الجيوب الوريدية فحسب لكنه يشمل أيضا القشرة المخية و هى تلك الطبقة المتعرجة على سطح المخ و تكون مسئولة عن الإدراك و الحواس و اللغة لدى الإنسان أى أن التضرر فيها يعنى خسارة الحواس الأساسية لحياة الإنسان.

نظام الجيوب الوريدية الجافية

التداخل واضح بين الجيوب الوريدية للأختين الإيرانيتين بيجانى

إذا عدنا إلى حالة التوأم ريتال و ريتاج فى بداية هذا المقال، فإنهما كانتا تتشاركان جزءا لا بأس به من الأوردة و هو الأمر الذى شكل حمل زائد على قلب ريتاج، فقد كان يسحب جزء من الدم الخاص بمخ أختها ريتال لتحمله بالأكسجين ثم تعيد ضخه إلى مخ ريتال مرة أخرى فشكل خطرا على حياة ريتاج لحساب حياة ريتال.

فصل التوأم متحد القحفية

و هو ما يقودنا إلى سؤال بالغ الأهمية ، متى يكون قرار فصل التوأم المتحد القحفية صائبا؟ بالطبع لا يوجد إجابة محددة لهذا السؤال لأن كل حالة مستقلة بذاتها عن أى حالة أخرى، و هو ما يستلزم لكل توأم متحد القحفية دراسة متكاملة بداية من إكتشاف الحالة فى رحم الأم حتى إتمام عملية الفصل بنجاح.بداية عند إكتشاف حالة توأم متحد القحفية بإستخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية ،هنا يقع على الأم و الأب عبئ إختيار إتمام عملية الحمل حتى نهاية أو إتخاذ قرار إجهاض التوأم إذا لم يكن الإكتشاف متأخرا. إذا ما إختار الأبوان ولادة التوأم هنا يتخصص فريق كامل من الأطباء يتلخص دورهم فى العناية بالأم و التوأم فى مرحلة ما قبل و ما بعد الولادة التى تكون قيصرية. بالنظر إلى حالة التوأم المتحد فى أغلب الأوقات يعانى كل من الوليدين أو أحدهما من مضاعفات صحية متمثلة فى إضرابات فى وظائف القلب و إرتفاع أو إنخفاض ضغط الدم .لا يتم فصل التوأم متحد القحفية فى تلك المرحلة الحرجة إذ يكون من الضرورى أولا السيطرة الطبية على الحالة الصحية للتوأم و فى الوقت نفسه الإنتظار لفترة كافية حتى يكبر التوأم بضع من الأشهر ، ليكونوا قد إكتسبوا خلالها بعض الوزن مع إستقرار فى الحالة الصحية مما يمكنهما تحمل صعوبات جراحة الفصل من فقدان وارد فى الدم و المقدرة على السيطرة على وظائفهم الحيوية خلال فترة الجراحة.

خلال تلك الفترة الإنتقالية حتى الجراحة، يجرى الأطباء عملية تصوير بالأشعة المقطعية و الرنين المغناطيسى من أجل تقدير مدى التداخل و الترابط بين الهيكل التشريحى للتوأم . من خلال تلك الصور و المسوح على الفريق الطبى معرفة العديد من النقاط الفارقة مثل إلى أى درجة يصل إتحاد فروتى الرأس و الجمجمة للتوأم ، و إلى أى حد يكون الإتحاد فى الأم الجافية و قشرة المخ المتعرجة بالإضافة إلى درجة الترابط و التداخل فى نظامى الأوردة و الشرايين الخاصة بكلا التوأمين و إذا ما كان هناك مشاركة فى الخلايا العصبية بالمخ. للمفارقة فى بعض الأحيان يثبت من الصور و المسوح أن التداخل لا يتضمن قشرة المخ و ما أنا يبدأ الجراحون فى عملية الفصل حتى يفاجئوا أمامهم بتداخل قد يصل إلى 5 سنتيمتر مربع بين قشرتى مخ التوأم و لذلك على الأطباء إتخاذ الإحتياطات اللازمة بتصوير التوأم بكل التقنيات الطبية الممكنة و أخذ أكثرها دقة كمرجع.

رسم ثلاثى الأبعاد ناتج من الصور و المسوح يوضح التداخل الوريدى

على أساس كل ما سبق يتحدد مسار عملية الفصل و التى غالبا ما تكون مقسمة على عدة مراحل يتحدد عددها على حسب حالة التوأم و مدى التداخل فيما بينهما و ذلك لأنه كلما كان التداخل أكثر تعقيدا بين الأوردة و الشرايين يصبح معدل فقد الدماء و إهدارها اكبر و سرعان ما يجد الجراح نفسه غارقا فى بركة من الدم و هو غالبا ما يؤدى فى النهاية إلى وفاة التوأم. إلا أن دكتور "أو كونيل" وجد أن تقسيم عملية الفصل على عدة مراحل خفض من نسبة الوفيات من 63% فى عمليات الفصل الغير مقسمة إلى 23 % فى عمليات الفصل المقسمة على مراحل و هى عملية تستغرق شهورا طويلة.أما إذا كانت عملية الفصل تشكل خطرا واضحا على حياة التوأم عندها يبقى التوأم كما هو على حاله ، مع مساندة الأبوين و التوأم للتأقلم مع وضعهم الحالى.

عملية فصل و لكن...

صحيح أن عمليات الفصل المقسمة خفضت من معدل وفيات التوائم متحدة القحفية ، لكنها لا تزال غير مثالية تماما لأن التقنية الأساسية المتبعة فى عمليات الفصل تقوم على التضحية بواحد من الطفلين فى سبيل أن ينجو الآخر و يعيش حياة سليمة و صحية. فى حالات التشارك العميق بين النظام الوريدى لكلا الطفلين لابد أن يكون هناك ترابط فى جزء رئيسى من الجيوب الوريدية الجافية معروف بإسم "الجيب السهمى العلوى". أما الطفل الذى يأخذ الجيب السهمى كاملا أثناء عملية الفصل هو من ينجو. عدم أخذ الطفل الآخر للجيب السهمى لا تعنى وفاته لكن غالبا ما يكون ذلك الطفل هو من يعانى من تأخر فى التعلم و الحركة و ربما بعض المضاعفات الصحية الأخرى.

نسترجع من أرشيف التوائم متحدة القحفية ، حالة لتوأم فلبينى تم فصله عام 2004 على يد الدكتور "جودريتش" ، كان واضحا فى هذه الحالة أن الطفل رقم"2" هو من يمتلك الجيب السهمى الوريدى لذلك عند الفصل أخذ ذلك الطفل الجيب السهمى بينما كان على الطفل رقم "1" أن يكيف دورته الدموية الوريدية الداخلية على نقص الجيب السهمى الوريدى و هو ما تم التأكد من حدوثه بالفعل قبل إتمام عملية الفصل.

رسم ثلاثى الأبعاد لحالة التوأم الفلبينى قبل الفصل

لكن بمتابعة الطفلين بات من الواضح أن الطفل رقم"2" الأكثر تطورا ، فهو أول من تكلم و مشى و وجدت لديه القابلية لتعلم أشياء جديدة. أما الطفل رقم "1" أصبح يعانى من نوبات تشنجية بعد عام واحد من الفصل و لكن أمكن التحكم بها عن طريق الدواء . كان كذلك أبطأ و أقل حماسة للإستجابة فى العلاج الطبيعى، فى البداية لم يعانى هذا الطفل من عيوب خاصة بالقدرات الحركية لكن ببطء مع الوقت أصبح مصابا بـ"متلازمة تجاهل" لنصفه الأيسر من الجسم أى أنه كان يستطيع إستخدام هذا النصف من جسده لكن يتجاهله و هو ما أخر من تعلمه المشى. بعد مرور خمسة أعوام أصبح الطفل رقم "1" يتحرك بشكل كامل ، و كل من الطفلين يتابع تعليمه المدرسى.

فى النهاية نقول أن العبرة ليست بنجاح عملية الفصل بل فيما بعد ذلك بمقدرة التوأم المنفصل على عيش حياة طبيعية تماما و قدرات ذهنية و حركية سليمة.فى بعض الحالات لا تظهر مشاكل صحية حتى بعد سنوات من الفصل مثلما فى حالة طفلتين أجريت لهما حالة الفصل عام 1977 ، و مع المتابعة الدائمة مع مرور السنوات للتوأم بعد الفصل ، تتطورت قدرتيهما اللغوية و الحركية بشكل كبير و لكنه لم يمنع من مواجهة الفتاتين لمعوقات دراسية تطلبت بعض الفصول الخاصة لإتمام تعليميهما الثانوى بنجاح. وصل الأمر فيما بعد بإحديهما للإصابة بشلل رباعى تشنجى بعد سنوات من عملية الفصل إنتهى بها إلى كرسى متحرك مع بقاء أختها سليمة بدون أى مضاعفات لعملية الفصل و عمرهما الآن 32 سنة.


التوأم قبل و بعد الفصل

هذا الأمر لم يحسم بعد فى حالة التوأم السودانى ريتال و ريتاج و لكن الأطباء لا يكون بأيديهم حيلة بعد إجراء عملية الفصل، ليس عليهم سوى المتابعة والإنتظار و ترك مرور السنوات لتحكم على دقة عملهم و إثبات نجاح أو فشل ما قاموا به.

المصادر:

1. SAMUEL R. BROWD,JAMES T. GOODRICH,MARION L. WALKER:Craniopagus twins. J Neurosurg Pediatrics 1:1–20, 2008

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

من الأرض إلى الفضاء-3

لقراءة الأجزاء السابقة من هذا المقال:
من الأرض إلى الفضاء-1
من الأرض إلى الفضاء-2

التأرض الموازى

ليس التأرض بعملية سهلة، تحتاج إلى أموال طائلة و عقود طويلة من الزمن لكى نرى نتيجتها.الحل الآخر و الذى لا يقل عن سابقه صعوبة هو التأرض الموازى أو ما يسمى "البيت العالم worldhouse ". بمعنى أن أى كوكب أو قمر من هؤلاء يمكن أن يستغل كأرض بديلة مع بناء مستعمرات كاملة على هيئة قبب ذات سقف زجاجى تبدأ على مساحات صغيرة ثم تتوسع تدريجا لتشمل معظم مساحة الكوكب أو القمر.
يتم بناء تلك القبب على إرتفاع 1 كم أو أكثر من سطح الكوكب أو القمر و تكون مزودة بنظام ضغط جوي و هواء صالح للتنفس مع تزويدها بأبراج الضغط العالى لتوليد الطاقة. توفر جميع الظروف اللازمة لحياة البشر كالهواء اللازم للتنفس و الدرع الواقى من المجالات الكهرومغناطيسية ، وبالإضافة إلى الطعام و الشراب. يتميز التأرض الموازى عن عمليات التأرض العادية بأن التوسع يتم بشكل تدريجى عند الحاجة فقط على حسب زيادة أعداد السكان بالإضافة إلى عدم الحاجة لتغيير الغلاف الجوى للكوكب أو القمر بالكامل بل فقط يضاف المناخ الجوى اللازم داخل القبب و المستعمرات بما يتناسب مع حجمها و الذى يعتبر أصغر بالمقارنة إلى غلاف جوى كامل لكوكب أو قمر ما. على الجانب الأخر تحتاج عمليات البناء إلى مستلزمات و معدات ضخمة ذات تكلفة عالية ، و مع كل تلك التجهيزات الضخمة تظل القباب بلا حماية تذكر من الكويكبات و النيازك الضالة التى لا تحترق و تتفت كما هو متوقع نتيجة إحتكاكها مع غلافها الجوى لأن تلك الكواكب أو الأقمار غالبا لا تمتلك غلافا جويا! و كتطبيق واقعى لفكرة "البيت العالم" تم إنشاء نموذج لها هنا على كوكب الأرض فى مشروع تحت إسم "بيوسفير2 Biosphere 2" بنفس تقنية القباب الزجاجية تلك ، تحتوى على وحدات سكنية و مساحات زراعية و مناخ جوى كامل.

بيوسفير2

من الأرض إلى الكويكبات

هل تتخيل نفسك يوما تعيش على كويكب؟ و لما لا فمجموعتنا الشمسية عامرة بهم فهى تحتوى على نحو 100 كويكب يزيد عن 125 كيلومتر و "سيرس" هو أحد الكويكبات الواعدة لإحتواء سطحه على طبقة مائية جليدية و ربما سائلة تحت سطحه. يمكن الحياة على كويكب بتحويل الكويكب ذاته إلى مدينة و لكن ذلك يتطلب جهد و معدات كبيرة للحفر و تفريغ باطنه إلا أن الحل الأسهل هو بإنشاء مدن فى سماءه تدور حوله و تكون مزوده بكل العوامل اللازمة للحياة بل و تدور بسرعة مقاربة لسرعة الأرض حتى يتسنى لسكانها الحياة فى ظل جاذبية مشابهه لتلك على كوكب الأرض. و يمكن إستخدام مرايا عاكسة لإستقطاب أشعة الشمس لتنير المدن لكى تساعد فى تدفئتها و تيسير الزراعة على سطحها.

من الأرض إلى عمق الفضاء

إذا وجهنا أنظارنا إلى الكون الشاسع لوجدنا المئات و المئات من الكواكب التى تشبه أرضنا و تدور فى مجموعات شمسية شبيهه بمجموعتنا و قد إكتشفها التلسكوب كيبلر و حدد مواقعها المختلفة على بعد يتراوح ما بين مئات إلى آلاف قليلة من السنوات الضوئية، إذن لماذا لا نمتطى مركباتنا الفضائية و نتجه إليها مباشرة؟!
إذا إنطلقنا فى رحلة إلى القمر،فسوف نقطع مسافة 384000 كيلومتر فى مدة 3 أيام لكى نصل إلى هناك و هى مدة معقولة نسبيا. إذا غيرنا وجهتنا إلى المريخ فسوف تزيد المسافة و بالتبعية سوف تزداد المدة التى نستغرقها لكى نصل إلى هناك خلال مدة 7 أشهر متواصلة، أما الرحلة إلى قمر المشترى تيتان فتستغرق أكثر من 3 سنوات!! قد لا تعنى لنا تلك المسافات أو المدة المستغرقة أى شئ إلا إذا علمنا الكم الهائل من الأشياء اللازمة لحياة الرواد من طعام و شراب و غيرها لاوازم، فالمركبة التى سوف تحمل الرواد إلى المريخ يصل حجمها من 3 إلى 6 أضعاف حجم تلك المركبة المتجهة إلى القمر و يمكنك أن تضيف إلى ذلك أضعاف مضاعفة فى رحلة الى تيتان قمر زحل ...لك أن تتخيل الآن حجم المركبة إذا كانت متجهة إلى أحد الكواكب الشبه أرضية القريبة على بعد مئات قليلة فقط من السنوات الضوئية!!.

يحمل العلماء أيضا بعض القلق تجاه سفر الرواد فرادى فى الفضاء منعدم الجاذبية فى رحلات طويلة قد تؤثر سلبا بشكل كبير على الحالة النفسية لهم، لذلك فالحل المنطقى الذى إقترحه أحد علماء الإنسانيات بجامعة فلوريدا أن تكون الرحلات "عائلية" ، غالبا تتكون من 150 إلى 180 شخص من أزواج و زوجات بدون أطفال يمكنهم الإستقرار و السير على نمط حياة طبيعى يمتد 8 أجيال متعاقبة ، فيصبح من السهولة قطع السنوات الضوئية الطويلة فى عمق الفضاء خارج مجموعتنا الشمسية مهما كانت تلك المسافات طويلة!

سفر العائلات

لحل مشكلة ضرورة حمل معدات و لاوازم الرواد من طعام و شراب و معدات ، تعمل على تضخم حجم السفينة بشكل طردى مع زيادة المسافة المقطوعة، يمكن التغلب على ذلك بوضع الرواد فى ثبات عميق تحت ما يسمى بـ"التجميد الحيوى"، و فيه يتم تجميد أجسام الرواد فى حاويات مبردة بالنيتروجين السائل فى درجة حرارة تصل إلى - 186 درجة مئوية تحت الصفر، و معها تنخفض معدل العمليات الحيوية الحادثة فى الجسم و ينخفض معدل الأيض الغذائى للخلايا فيكون الرواد نيام فلا يستهلكوا طعام أو شراب أو طاقة و لن يشعروا بالمسافات الطويلة لحين الوصول إلى الكوكب المنشود من ثم يتم إيقاظهم من ثباتهم لأداء مهامهم. تنطوى تقنية التجميد على مخاطر كبيرة تتمثل فى أن الخلايا لن تتحمل البرد الشديد و قد يصاب الجسم بأنواع مختلفة من السرطانات إذا ما تعرض لها و ذلك لأن معاملة الخلايا بتلك الطريقة يتنافى مع طبيعتها و طريقة عملها.

تجميد رواد الفضاء

على جانب الآخر لابد من إيجاد حلول للمسافات الطويلة بدون الإضرار بالرواد أو الإضطرار إلى حملهم و عائلتهم!زيادة سرعة المركبات الفضائية لتقطع مسافات طويلة فى وقت أقل بكثير هو الحل الأمثل لتلك المشكلة. ظهرت العديد من الأفكار لمضاعفة سرعة المركبات منها إستخدام محركات الإندماج و الإنشطار النووى . كذلك إستخدام تقنية"المادة المضادة" و التى يمكنها أن تزود سرعة المحركات بشكل لا يصدق .تلك المادة المضادة ما هى إلا ذرة من مادة الهيدروجين مثلا و لكنها تحمل شحنة سالبة فعندما تتقابل مع ذرة هيدروجين غير مضادة التى تحمل الشحنة الموجبة الطبيعية فإنها تنتج طاقة هائلة، فيعتقد أن كوننا هذا قد تشكل نتيجة إنفجار مماثل بين ذرات من المادة العادية و المادة المضادة، فلك أن تتخيل ما ان امتلكنا و طوعنا تلك المادة فإنها سوف تدفع بنا إلى حافة الكون و ليس المجموعة الشمسية المجاورة فقط! و هذا هو ما نأمله لكى يتحقق الحلم البشرى فى استعمار الفضاء البعيد و يتمتد إلى حواف الكون و ما بعده...

تم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم المصادر:
1,2,3,4,5,6

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

من الأرض إلى الفضاء-2

الجزء الاول من المقال: من الأرض إلى الفضاء-1

من الأرض إلى يوروبا

ليس قمرنا "الأرضى" الوحيد الذى إتجهت إليه أنظار العلماء، لكن هناك أيضا أقمار لكواكب أخرى فى مجموعتنا الشمسية لديها بيئات مناسبة لإحتضان حياة بشرية بل و بشكل أفضل من قمرنا الأرضى.يوروبا هو القمر السادس ضمن 63 قمر على الأقل يدور حول كوكب المشترى. يعتقد العلماء أن يوروبا يحتوى على محيطات شاسعة من المياه تحت الطبقة الجليدية التى تغطى سطحه، و هو كم كافى من المياه لبدء حياة جديدة عليه

أما عن الأكسجين، فإن كسر طبقات الجليد تلك سوف تحرر كميات كبيرة من الأكسجين لتنطلق فى أجواء يوروبا. يعانى يوروبا من مشكلتين رئيسيتين ، الأولى أن درجات الحرارة على سطحه غالبا ما تستقر عند 173 - درجة مئوية تحت الصفر و هى المعدلات الطبيعية بالنسبة له بالنظر إلى موقعه كقمر لكوكب المشترى الذى يحتل المركز الخامس بعدا عن الشمس بنحو 773 مليون كيلو متر تقريبا! أما المشكلة الثانية هى تعرض يوروبا الدائم للمجالات الكهرومغناطيسية من الحزام الكهرومغناطيسي لكوكب المشترى. لا يستطيع البشر التعايش مع المجالات الكهرومغناطيسية الضارة أو درجات الحرارة القارصة، من ثم إقترح العلماء حلاً لكلا المشكلتين معا. يتلخص الحل المقترح فى بناء قواعد للبشر تحت القشرة الجليدية ليوروبا، بذلك يتقى شر البرد و يكون الجليد درعا واقيا من المجالات الكهرومغناطيسية،....هذا إذا وجدت الوسيلة أو الأداة التى تستطيع تكسير هذا الجليد الذى يعتبر فى حد ذاته تحدي أخر للحياة على يوروبا!

المشهد من أسفل جليد يوروبا

من الأرض إلى تيتان

فكرة إستعمار القمر تيتان ليست من أجل إعماره بالبشر فحسب،إنما لأنه منجم للمنتجات الهيدروكربونية كالغاز الطبيعى و النفط أكثر بمئة مرة مما أمتلكه كوكب الأرض يوما. تيتان أكبر أقمار كوكب زحل ، ثروته الهيدروكربونية تسقط على هيئة امطار من السماء و تتجمع على شكل بحيرات و أنهار تجرى على سطح تيتان. مكونات الغلاف الجوء لتيتان تشبه إلى حد كبير مثيلاتها للغلاف الجوى الأرضى ، فهو يحتوى على نسبة عالية من غاز النيتروجين الذى يعتبر أحد المكونات الرئيسية و أعلاها نسبةً فى غلافنا الجوى.


يعتقد العلماء بوجود محيطات مائية تحت سطح تيتان و غالبا ما تصعد إلى السطح على هيئة نشاط بركانى مائى ، يمكن إستخدامها كمصدر مياه اللازمة للحياه البشرية كما أنها سوف تكون مصدر هام للأكسجين الصالح للتنفس عن طريق معالجتها لكى تتحلل إلى مكونيها الأساسيين و هما الأكسجين و الهيدروجين بإستخدام عملية"التحليل الكهربائى". إلا ان العلماء لابد أن يتعاملوا مع مشكلات تيتان الذى يعانى من درجات حرارة منخفضة تصل إلى 179 – درجة مئوية تحت الصفر و التى لا ترتفع و لا لو قليل حتى أثناء ساعات النهار بسبب منع الغلاف الجوى الكثيف لتيتان مرور أشعة الشمس و منعها من تسخين سطحه. جاذبية تيتان أيضا تمثل مشكلة كبيرة لإنخفاضها نسبة إلى جاذبية الأرض ، تلك الجاذبية المنخفضة التى ثبت أضرارها الكبيرة على جسم الإنسان و تأثيرها السلبى على أنظمته البيولوجية.

من الأرض إلى الزهرة

كوكب الزهرة هو أقرب الكواكب شبها بالأرض لذا سمى بـ"توأم الأرض"، و ذلك لتقارب حجميهما و قرب المسافة بينهما حيث يعد الزهرة أقرب كوكب للأرض مقارنة بكوكب المريخ و ذلك ما يجعل الزهرة مرشح قوى للإستعمار. التقارب الحجمى بين الأرض و الزهرة يجعل قيمة الجاذبية على سطحيهما متساوية تقريبا، و هو ما يسهل على الرواد عملية التأقلم على الجاذبية بينما بالنظر إلى الرحلات للكواكب الأخرى فالجاذبية أحد العوامل التى لابد و أن توضع فى الحسبان. عدم كفاية الجاذبية على أى كوكب أو قمر أخر يحتم على الرواد إرتداء "هياكل خارجية" توفر لهم الجاذبية والإتزان و هو ما لن يحتاجوه على كوكب الزهرة على الإطلاق .على الرغم من تلك المميزات إلا أن بيئة الزهرة لا تكاد تقترب شبها من بيئة الأرض على الإطلاق و يكاد يكون من المستحيل العيش فيها! فدرجة الحرارة عند خط الإستواء قد تصل إلى 500 درجة مئوية و هى درجة حرارة تزيد عن درجة إنصهار الرصاص!هذه الحرارة سببها يرجع إلى أن جو الزهرة غنى بنسب كبيرة للغاية من غاز ثانى أكسيد الكربون الذى يسبب تأثير "الإحتباس الحرارى" على كوكب الزهرة. و الضغط الجوى هناك أكبر من الضغط الجوى للأرض بـ90 مرة و هو بذلك مساوى للضغط تحت 1 كيلو متر من المياه، هذا الضغط الشديد أدى بكل المهمات الفضائية على سطحه بالدمار التام و لم يصلنا معلومات عن سطحه سوى القليل من المسبارين الغير مأهولين "فينير 7" و "فينيرا 8"اللذان لم يستطيعا الصمود فى وجه هذا الضغط سوى ساعة واحدة فما بالنا بالبشر! اما القشة التى قسمت ظهر البعير هى أن الزهرة لا يحتوى على مياه على الإطلاق!

فى ظل هذه البيئة العدائية ما كان من العلماء إلا التفكير فى حلين لا ثلاث لهما. الحل الأول المعتاد فى تلك الحالات هو التأرض. أغلب المقترحات المقدمة فى هذا الصدد تجتمع على ضرورة إستخدام مظلات شمسية! هذه المظلات عاكسة فى طبيعاتها لكى تقلل تعرض كوكب الزهرة لأشعة الشمس مما يخفض قليلا من درجة حرارة سطحه و لحل مشكلة نقص المياه يتم قصف الكوكب بقنابل الهيدروجين ، الذى من المتوقع أن يتفاعل مع ثانى أكسيد الكربون فى مناخ الزهرة و ينتج عنصر الكربون و وفرة من المياه.

عملية تأرض الزهرة

أما الحل الثانى المقترح هو بناء مدن طافية فى جو الزهرة! الذى يعد أنسب مكان للحياة من الكوكب نفسه فعلى إرتفاع نحو 50 كيلومتر فوق سطح الزهرة تترواح درجة الحرارة من 0- 50 درجة مئوية و ضغط جوى 1 بار و هو مماثل تماما لظروف العيش على كوكب الأرض تماما.بناء العديد و العديد من تلك المدن فوق الزهرة يمكن أن يعمل كعازل لسطح الزهرة لحمايته من أشعة الشمس المفرطة التى تسخن سطحه و بذلك هى عملية تأرض للزهرة على المدى الطويل.

المدينة الطافية

عن طريق عملية التأرض سالفة الذكر أيضا يمكن تحويل قمرى المشترى جانيميد و كاليستو إلى بيئات شبه أرضية

كاليستو قبل عملية التأرض

كاليستو بعد عملية التأرض

جانيميد قبل عملية التأرض

جانيميد بعد عملية التأرض

يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم المصادر:
1,2,3,4,5,6

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

الطاقة القمرية

يسارع الجنس البشرى الآن فى عجالة من أمره نحو تطوير و تطويع مصادر الطاقة النظيفة و المتجددة المتمثلة فى طاقة الشمس و الرياح، فى زمن أصبح فيه مصير البشرية على المحك مع قرب نفاذ المخزون العالمى من الموارد البترولية و النفطية التى هى مصدره الوحيد للطاقة. إلا أن الإنسان يصبح أكثر إبداعا و إبتكارا فى أوقات الأزمات، ففى الوقت الذى انحصر فيه تركيز جموع العلماء على الطاقة المتجددة شمسية منها و ريحية ، أتى البعض الآخر بحلول مبتكرة لمشكلة الطاقة و تكمن تلك الحلول فى الحصول على الطاقة من "القمر".


إذا تحدثنا عن القمر فلابد من ذكر أنه أقرب جيران الأرض، الذى يبدد ظلام سمائها ليلا بضوء خافت ، ذلك الضوء الخافت هو أقصى ما يمكن أن يجود به القمر على الأرض، فهو بطبيعته جرم سماوى معتم يضئ بفعل إنعكاس ضوء الشمس على سطحه ، فلا هو مضئ بذاته و لا يشع حرارة. و بذلك يكون القمر مجرد جار ودود نتطلع إليه فى سماء الليل ، إلا أن العقول المفكرة وجدت الحل لمشكلة الطاقة من القمر، فمن تأثير جاذبيته "طاقة مائية" ، و من الغازات المختزنة فى تربته "طاقة إندماجية"، و من موقعه بين الشمس و الأرض "طاقة شمسية"!!

الطواحين المائية

إعتمد البشر لسنوات طويلة على القمر فى إنتاج الكهرباء فهى ليست فكرة مستحدثة، بإستغلال تأثير جاذبية القمر على الأرض و التى تسبب حدوث ظاهرة المد و الجزر. تنتشر السدود على المسطحات المائية حول العالم لتحصر المياه الزائدة فى أوقات المد و تطلق سراحها فى أوقات الجزر فتندفع بقوة لتدير توربينات تحول الطاقة الحركية إلى كهرباء تمد آلاف المنازل و المصانع. لكن ليست تلك هى الطريقة الوحيدة الممكنة للإستفادة من ظاهرة المد و الجزر ، فكما نستفيد من طاقة الرياح و نحولها إلى كهرباء بإستخدام طواحين الرياح ،يمكننا بالمثل الإستفادة من طاقة التيارات المائية لتتحول إلى طاقة كهربائية عن طريق طواحين مائية!!


فى قاع البحار و المحيطات تكون المياه فى حالة حركة دائمة متأثرة بسيطرة جاذبية القمر عليها.عندما يسطع القمر على بقعة ما على الأرض فإن منسوب ما تحتويه من مياه يرتفع و هو ما يعرف بالمد ،أما المناطق المجاورة التى لم ترى سطوع القمر بعد لا تتأثر بقوة جذبه فينخفض منسوب المياه لديها و هذا ما يسمى بالجزر.و لكن من أين تأتى المياه التى تسبب إرتفاع المنسوب فى حالة المد و كذلك إلى أين تذهب المياه المنقوصة فى حالة الجزر؟ و الإجابة على هذا السؤال أن المياه يعاد توزيعها بشكل عام فالنقص فى مياه الجزر تخدم الزيادة فى مياه المد ، بحيث أن المياه المنقوصة فى مناطق الجزر تتحرك بتأثير جذب القمر لترفع منسوب المياه فى مناطق المد لذا نجد المياه فى حركة دائمة ذهابا و إيابا بين مد و جزر.

المقطع المصور التالى يوضح إرتفاع مستوى الغطاء المائى للأرض تأثرا بجاذبية القمر و العكس بالعكس:



إذن طاقة الحركة تلك قادرة على تدوير شفرة مروحة عملاقة توضع فى قاع البحار و المحيطات ، تتصل تلك المراوح بتوربينات تحول الحركة إلى كهرباء تسرى فى كابلات طويلة وصولا إلى الشاطئ حيث شبكة توزيع الكهرباء.
تتميز الطواحين المائية بعدم حاجتها إلى مساحات من اليابسة أو مزارع واسعة لتُنشئ عليها، بعكس طواحين الرياح و هى أحد الأمور الموضوعة على طاولة النقاشات بشأن الطاقة فقد أصبحت المساحة المتاحة قضية محل إهتمام ، مع تزايد عدد سكان الأرض بشكل متطرد و بلوغ تعدادهم 7 مليارات نسمة فى عام 2011. ميزة أخرى تتمتع بها الطواحين المائية و هى أن التيارات المائية تتبع نمط ثابت يمكن التنبؤ به من زيادة أو نقص فى السرعة حسب دورة القمر و تأثيره من مد و جزر بعكس الرياح التى يصعب التنبؤ بوقت هبوبها و سرعته. و نطمئن القلقين بشأن الحياة البحرية بأنه لا تأثير لتلك الشفرات العملاقة عليها فسرعة دورانها بطيئة نحو 20 دورة فى الدقيقة لتسمح بمرور الأسماك و الكائنات البحرية من خلالها فلا تشكل خطرا على حياتها.

أول طاحونة مائية فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008

تم بالفعل إنشاء أول طاحونة مائية تجارية فى العالم عام 2003 تنتج 300 كيلو وات فى إنجلترا، و توالى إنشاء مئات الطواحين المائية حول العالم منذ ذلك الحين ، منها نحو 79 طاحونة مائية فقط فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2009 بالإضافة إلى 149 طاحونة أخرى بإنتظار الموافقة النهائية لتنتج طاقة نظيفة و آمنة تقدر بآلاف الكيلو وات، برغم من مواجهة توربيناتها لبعض التحديات مثل تحمل الظروف القاسية من الكثافة المرتفعة للمياه بالمقارنة بكثافة الهواء و مقاومة الصدأ.

الطاقة الإندماجية القمرية

...و من جاذبية القمر إلى تربته التى تزخر بملايين الأطنان من غاز "هيليوم-3 "، و بالرغم من عدم وجوده فى الطبيعة على الأرض إلا أنه مطمع للبشر، فهو الوقود المنتظر للتفاعلات الإندماجية. تلك التفاعلات مثيلة لما تحدث فى قلب الشمس و تولد الطاقة و الحرارة التى تصلنا هنا على كوكب الأرض، تحدث نتيجة "إندماج" أو إلتحام ذرتين أو أكثر لتصبح ذرة واحدة و يصاحب هذه العملية إنطلاق طاقة هائلة . تُعد تلك هى الطاقة المستقبلية التى يطمح العلماء فى التوصل إلى وسيلة لإنتاجها على كوكب الأرض لتكون بديلا للبترول و النفط، و هذه الوسيلة المرتقبة بالطبع هى مفاعل نووى "إندماجى" يتحكم فى تلك التفاعلات و ينظمها ثم يحول الطاقة الناتجة عنها إلى كهرباء تشبع حاجات البشر. تقنيات المفاعلات الإندماجية ما زالت قيد البحث و التطوير و من المتوقع أن تكون جاهزة للإستخدام التجارى فى غضون 20 سنة. فى هذه الأثناء لابد من البدأ فى عمليات البحث و التنقيب عن الوقود المحفز لتلك التفاعلات الإندماجية "هيليوم-3"....من تربة القمر.

قلب المفاعل الإندماجى "جيت" قيد التطوير

عملية التنقيب عن غاز الهيليوم-3 تعد هى المهمة الأصعب ولكنها تستحق بكل تأكيد ، فحمولة مركبة فضائية واحدة من هيليوم -3 بسعة 20 طن تكفى لإمداد الولايات المتحدة الأمريكية بالطاقة لمدة سنة كاملة. لكن هذا الأمر متوقف على مقدرة تقنية التنقيب الحالية على إستخراج هيليوم-3 من تربة القمر دون تكلفة عالية و هو الأمر المستبعد بالنظر إلى كون عنصر هيليوم-3 يمثل نسبة واحد على ثلاثة آلاف فقط من الهيليوم الكلى الموجود فى تربة القمر بالإضافة إلى أن نسبة الهيليوم نفسه تقدر بحوالى 10 إلى 220 جزء من المليون ،و الذى يعنى بالضرورة الحاجة إلى حفر ملايين الكيلوجرامات من التربة من أجل إستخراج كيلوجرام واحد من غاز هيليوم-3 !! و هو الأمر الذى أثار حفيظة العلماء المناهضين لمشروع التنقيب عن الهيليوم-3 فى تربة القمر آخذين فى الإعتبار أن العملية بأكملها بدأ من نقل المعدات المستخدمة فى التنقيب إلى عودة غاز هيليوم-3 الجاهز للإستخدام ، تعنى حرق مليارات من وقود الصواريخ ، و يرون الأمر برمته حل غير عملى على الإطلاق.

أجهزة التنقيب عن هيليوم-3 تختلف عن الأجهزة العادية التى تستخدم فى البحث عن البترول و الغاز الطبيعى فى باطن الأرض، و ذلك لأن الهيليوم يمثل جزءا لا يتجزأ من تربة القمر و لا يوجد فى آبار أو جيوب غازية فى باطنه. لذلك فإن التربة نفسها تخضع لتحليل و عمليات كيميائية تستمد طاقتها من أشعة الشمس التى يلتقطها الهوائى الخاص بمحطة التنقيب و يركزها لخدمة عملية التحليل و فى النهاية يتصاعد غاز هيليوم-3 منها و يعبأ فى إسطوانات.


جهاز التنقيب عن هيليوم-3 فى تربة القمر

تتميز الطاقة الناتجة عن المفاعلات الإندماجية القائمة على هيليوم-3 أنها نظيفة و صديقة للبيئة و ذلك لأنها تكون مشعة بقدر ضئيل جدا، تقريبا بنفس كم الإشعاعات الناتجة عن قسم العلاج الإشعاعى بالمستشفيات،بعكس المفاعلات النووية التقليدية التى تقوم على التفاعلات الإنشطارية و فيها تنشطر الذرة إلى أجزاء أصغر منها و يصاحب الإنشطار طاقة كبيرة تستغل فى إنتاج الكهرباء ،لأن الوقود المحفز فى المفاعلات الإنشطارية هو عنصر اليورانيوم المشع المتواجد فى الطبيعة على الأرض بعكس هيليوم-3 إلا أن تسربه يؤدى إلى كارثة محققة مثل تشيرنوبل تهدد بفناء البشر و الكائنات الحية على حد سواء.

هذا التخطيط الكامل للتنقيب عن و إستخراج هيليوم-3 من تربة القمر، كان جزءا من مهمة "مشروع العودة إلى القمر" الذى أسسه الرئيس الأمريكى جورش بوش عام 2004 و ألغاه الرئيس أوباما عام 2009 و الذى كان من المخطط له ببناء قاعدة قمرية أمريكية بحلول عام 2024 تبدأ فى تنفيذ مشروعات ناسا على القمر و من ضمنها مشروع التنقيب عن هيليوم-3 .فهل تتبنى وكالة فضاء أخرى المشروع أم يذهب أدراج الريح؟

حزام الطاقة

بعد كارثة مفاعلات فوكوشيما اليابانية أعادت الكثير من الدول التفكير بشأن مصادر طاقتها، لتتجنب أى مخاطر مستقبلية تتبع الخيار النووى. و عليه كشفت شركة "شيميزو SHIMIZU" اليابانية عن فكرة لتحويل القمر إلى محطة ضخمة لتوليد الطاقة ثم تعيد بثها إلى الأرض.كانت هذه الفكرة احدى مخططات ناسا للعودة إلى القمر إلا أنها توقفت أيضا بسبب إيقاف المشروع ككل كما ذكرنا سلفا، إلى أن جاءت شركة "شيميزو" لتعيد إحياء الفكرة مرة أخرى.

يتميز القمر بموقع إستراتيجى بين الأرض و الشمس فكما تتمتع الأرض بضوء الشمس ، ينال القمر أيضا قسطا وافر منه كافي لجعله مضيئا و تقدر كمية الطاقة التى تصله من الشمس بنحو 13000 تريليون وات تكفى نسبة واحد بالمئة منها لسد حاجة الأرض من الطاقة.

تسعى شيميزو إلى تنفيذ ذلك المشروع الضخم تحت إسم "حلقة لونا LUNA ring" و هى حزام من الخلايا الشمسية يغطى محيط القمر بالكامل من عند خط الإستواء يقدر بـ 6800 ميل طولا و 12 ميل عرضا حيث يتعرض خط الإستواء إلى كم ثابت و دائم من الضوء. تقوم الخلايا على الجانب المواجهه للشمس بتحويل الأشعة الضوئية إلى كهرباء تسرى فى كابلات طويلة حتى تصل إلى محطات الإرسال على الجانب الآخر المواجهه لكوكب للأرض. تعمل محطات الإرسال على تحويل الكهرباء إلى موجات ميكروية و أشعة ليزرية ثم تبثها إلى محطات الإستقبال على الأرض، و ما أن تتحول الموجات و الليزر إلى كهرباء مرة أخرى فإنها تتوزع حول العالم لتغذى حاجات البشر جميعا بشكل متساوى و عادل.

يتميز "حزام لونا" بالكفاءة العالية فى الإستفادة الكاملة من ضوء الشمس تصل إلى 10 أضعاف كفاءة المزارع الشمسية على الأرض ، فلا وجود لغلاف جوى يحيط بالقمر و بالتبعية لا سحب أو مناخ سيئ يمكن أن يؤثر على كفاءة وصول ضوء الشمس إليه. أيضا تدفق الطاقة من القمر إلى الأرض لا يتوقف 24 ساعة فى اليوم و 7 أيام فى الأسبوع، فى كل الأوقات يتعرض جزء منه للشمس بعكس المزارع الشمسية التقليدية التى تعمل نهارا بحسب الحالة الجوية و لا تعمل ليلا بالطبع.

تمتلك شيميزو رؤية كاملة لبناء حزام لونا من موارد القمر، بالنظر إلى تكلفة بناءه على الأرض و إرساله إلى القمر ثم مهمة تركيبه و تجهيزه ،تجعل الفكرة غير مقبولة. إلا أن شيميزو تنوى إستغلال موارد القمر مع بعض المساعدات البسيطة من الأرض و الأهم من ذلك هو الإعتماد بشكل شبه كامل على الروبوتات لبناء الحزام و التى يتم التحكم فيها عن بعد من كوكب الأرض!

عن المياه اللازمة للبناء فمن تربة القمر مع إضافة الهيدروجين المنقول من الأرض يمكن الحصول عليها . و الإسمنت أيضا يستخرج من التربة و بخلطه مع الحصى و التربة القمرية مرة أخرى نحصل على المواد الخرسانية للبناء. أما القرميد و الألياف الضوئية و المواد اللازمة الأخرى يمكن الحصول عليها بالمعالجة بحرارة الشمس. الخلايا الشمسية نفسها تصنع من السيليكون الذى يتوفر بنسبة 23 بالمئة من التربة و بذلك يتم توفير تكاليف وقود الصواريخ اللازم لنقل الخلايا و كذلك كلفة تصنيعها من موارد أرضية.سوف تبث حلقة لونا 220 تريليون وات من الطاقة ، و بينما يفقد جزء كبير منها فى الفضاء، يصلنا على الأرض 8.8 تريليون وات سنويا.

طبقا للجدول الزمنى الموضوع لتجهيز ذلك المشروع الطموح، من المتوقع البدأ فى تنفيذه فعليا عام 2035 بالتقنيات المتوفرة و المثبتة حتى الآن من خلايا شمسية و محطات إرسال ليزرية و ميكروية و حتى الروبوتات الآلية ، مع الأخذ فى الإعتبار عدم تحديد نسبة معينة للعقبات أو المشكلات التى قد تواجه بناء محطات الطاقة الليزرية على القمر.

القمر هو التابع الطبيعى للأرض و يعتقد أنه كان فى يوم ما جزءا لا يتجزأ منها ،لذا فإن إستغلاله لخدمة بنى آدم و ضمان إستمرار بقاءهم هو أمر ضرورى ، و بخاصة لإمتلاكه المقومات اللازمة لحل مشكلة عويصة تنتظرنا عاجلا أم آجلا، فمن القمر طاقة ثبث فى الأرض حياة...
_______________________

المصادر:

1,2,3,4,5,6,7,8,9,10

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

شريحة إلكترونية ثورية تحاكى مخ الإنسان



فى سبق هو الأول من نوعه كشفت شركة "آى بى إم IBM" للأنظمة الحاسوبية و الإلكترونية عن شريحة إلكترونية جديدة تحاكى فى أدائها المخ البشرى تماما. تمكن دكتور "ديرمندرا مودا" بمساعدة مئة باحث من خمسة من أكبر الجامعات الأمريكية، من إبتكار شريحتين إلكترونيتين هما الثمار الأولى للمشروع الضخم تحت إسم "ساينابس SYNAPSE" و هو إختصارا لـ" أنظمة بلاستيكية قابلة للتكيف و التطوير"، تموله وزارة الدفاع الأمريكية بميزانية 41 مليون دولار تحت مظلة شركة "آى بى إم" .



الحوسبة الإدراكية مقارنة بالحوسبة الفائقة

يهدف المشروع إلى التوصل لشرائح إلكترونية تعمل بتقنية تسمى "الحوسبة الإدراكية Cognitive Computing " و هى نظام إلكترونى كامل يحاكى الإستراتيجية التى يتبعها المخ البشرى الحى للتفاعل مع البيئة من حوله لتحليل الأحداث و حل المشكلات عن طريق ربطها بذكريات أو تجارب سابقة مخزنة فى الذاكرة و يتخذ الإنسان قراره بناءا على ما قام به مخه من تحليل، مما يترتب عليه إنتاج أجهزة حواسيب مفكرة تتفاعل مع الأحداث كافة بدون برمجة مسبقة و تتخذ قرارت مصيرية بدون الحاجة للرجوع إلى الإنسان. تستطيع أجهزة الحواسيب العادية أيضا حل المشكلات المختلفة بطرق مبتكرة و سريعة إذا ما تم برمجتها لحل مشكلة بعينها و لكنها تكون عديمة القيمة عند أى تغيرات بسيطة فى المشكلة التى تقوم بمعالجتها، أوأمام مشكلات أخرى مختلفة عندها تقف عاجزة عن التصرف ، و هو الأمر الذى لن يحدث عند إستخدام تقنية الحوسبة الإدراكية.

أما الحواسيب الفائقة Supercomputers فتتميز بقدرتها على حل المشكلات و الأهداف المخصصة لها بسرعات كبيرة و دقة متناهية تفوق العقل البشرى ذاته بإجراء عمليات و حسابات معقدة بكميات ضخمة تعمل وفق التقنية التى تعرف بإسم "الحوسبة الفائقة SuperComputing ". تتطلب تلك التقنية معالجات Processors و ذاكرة RAMتعادل عشرات من التيرابايت للحاسوب الواحد ،لذلك هى تنطوى على مشكلة عملاقة تتمثل فى أحجامها الكبيرة فتشغل مساحات شاسعة لإحتواء أجهزتها الضخمة من ذاكرة و معالجات و التى تحتاج بالضرورة طاقة هائلة لإدارتها و تشغيلها تقدر بمئات الكيلو وات. من ناحية أخرى يقوم المخ البشرى بالعمليات الإدراكية المختلفة التى تتطلب ربط مباشر بخبرات سابقة و تحليل دقيق مثل التعرف على الوجوه كمثال فى حين تعجزعنه الحواسيب الفائقة و يستنفذ المخ للقيام بذلك طاقة مثل التى يحتاجها مصباح بقدرة 20 وات فقط لكى يعمل!

إستخدم الباحثون فى شركة "آى بى إم" تقنية الحوسبة الفائقة من قبل لمحاكاة القشرة الدماغية لمخ القطة. تطلب الأمر إستخدام ذاكرة قدرها 144 تيرابايت من أجل تمثيل مليار خلية عصبية! و هو رغم ذلك ما زال أبطا بـ 10 مرات عن المخ الحقيقى للقطة. تهدف شريحة "ساينابس" إلى الجمع بين القدرات الهائلة للحوسبة الفائقة من دقة و سرعة ، بالإضافة إلى المقومات البشرية للحوسبة الإدراكية و ضغطها فى مساحة صغيرة بإستخدام التكنولوجيا النانوية.



الحاسوب الفائق SuperComputer الممثل لمخ القطة

شريحة "ساينابس" الإدراكية

قد يعتقد البعض أن التقنية التى توصل إليها دكتور "مودا" و فريقه، موجودة بالفعل و نراها من خلال محركات البحث الإلكترونية مثل "جوجل" الذى يتوقع كلمات البحث التى يدخلها المستخدم بل و يكملها بالنيابة عنه بناءا على خبرة سابقة مخزنة فى ذاكرته العملاقة من كلمات مفتاحية للبحث أدخلها مستخدمون آخرون فى وقت سابق. إلا أن تقنية كالتى يقوم عليها محرك البحث جوجل تختلف تماما عن الإستراتيجية التى تنطوى عليها شريحة "ساينابس".

تمتلك الشريحة الجديدة المقدرة على التعلم مع الإستفادة من خبرات و أحداث مخزنة فى ذاكرتها عن طريق إسترجاعها و تحليلها بالتوازى مع ربطها بالمزيد من الخبرات و الأحداث التى تتلقاها فى الوقت الحالى فى محاولة لمحاكاة أسلوب الخلايا العصبية فى المخ، و لكى نتمكن من فهم الكيفية التى تعمل بها الشريحة لا بد و أن نفهم اولا كيف تعمل الخلايا العصبية. يحتوى مخ الإنسان على شبكة عملاقة متداخلة من 100 مليار خلية عصبية ترتبط مع بعضها البعض عن طريق 100 تريليون رابطة تعرف بإسم "المشابك العصبية".



المشابك العصبية(المضيئة) بين الخلايا العصبية

إرتباط المشابك بين الخلايا العصبية هى الطريقة التى يضيف بها المخ إلى خبراته و تجاربه و يسترجع منها وقت الحاجة. فى المواقف المختلفة يتم تفعيل خلايا عصبية بعينها فى المخ، فمثلا عند ذكر كلمة "بحر" فإن خلايا الذاكرة البصرية تولد فى ذهنك صورة للبحر و مياهه الزرقاء ،و خلايا الذاكرة السمعية تدوى فى أذنك صوت تلاطم الأمواج و تكسرها على الصخور أما خلايا الذاكرة الشمية فتعبق أنفك برائحة ملوحة البحر و النسيم العليل، و لكن تلك الإشارات متفرقة و عشوائية إستحضراتها مراكز مختلفة فى المخ، لكى تكتمل الصورة و تقوم بإدراك تلك الإشارات العقلية لابد و أن يحدث "ترابط" ، فتتكون شبكة من الخلايا ترتبط معا بالمشابك العصبية و هذا الإرتباط يعبر عن خبرة أو تجربة حللها المخ و خزنها على هيئة روابط من المشابك العصبية.إذا أردنا للحواسيب أن تتعلم و تدرك من واقع الخبرات و التجارب فعلينا أن نجعلها تطبق إستراتيجية المخ البشرى فى التفكير.

شاهد المقطع المصور التعريفى بمشروع "ساينابس":



الإستراتيجية الحالية التى تقوم عليها الحواسيب عموما هى إحضار خبرة مخزنة فى ذاكرته الإلكترونية "RAM" لينقلها عبر الناقلات Buses ليوجهها إلى المعالج Processor الذى يحللها ثم يضيف إليها و يحدثها ثم تعاد عبر الناقلات إلى الذاكرة مرة أخرى. كما نلاحظ فإن الطريق الذى تسلكه المعلومات بين الذاكرة و المعالج ذهابا و إيابا هو طريق طويل يستهلك وقت و طاقة كبيرين. لذلك فإن إتجاه "الحوسبة الإدراكية" يقوم على تقريب المسافات بين المعالج و الذاكرة إلى أقرب مسافة ممكنة. فى "الحوسبة الإدراكية" يلعب المعالج دور "الخلية العصبية" أما الذاكرة فهى "المشابك العصبية".

على المستوى العصبى فى المخ فإن "الخلية العصبية" تتلقى المعلومات على هيئة إشارات كهربية من "المشبك العصبى" . عندما تفرغ "الخلية العصبية" من معالجة ما لديها من معلومات فإنها تتشارك بها مع "الخلية العصبية" المجاورة من خلال "المشبك العصبى" الرابط بينهما و هكذا. هذا هو ما يحدث أيضا على المستوى الإلكترونى فى الشريحة "ساينابس" ، يقول دكتور"مودا" : ينتقل نمط معين من المعلومات من الذاكرة (المشبك العصبى) إلى المعالج (الخلية العصبية) و النتيجة النهائية تنتقل من خلال ذاكرة أخرى إلى معالج آخر و هكذا، مكونة شبكة إدراكية كاملة على شريحة سليكونية، إذن تكون نتيجة التقارب بين المعالج و الذاكرة توفير هائل فى الطاقة و الوقت اللازم لإتخاذ قرار.
كما ذكرنا مسبقا أنتج المشروع حتى الآن شريحتين تحتويان على 256 خلية عصبية تربط بينها 262,144 مشبك عصبى يبرمج حسب الغرض و فى الشريحة الثانية 65,536 مشبك عصبى للتعلم الذاتى. لازال المشروع فى مرحلته الأولى، لكن الهدف النهائى الاوحد للمشروع هو الوصول إلى 100 بليون خلية عصبية و 10 تريليون مشبك عصبى كما فى المخ تماما فى حجم قدره 2 لتر فقط ! و هو ما يأمل دكتور "مودا" التوصل إليه بتجميع المزيد و المزيد من تلك الشرائح سويا حتى الوصول إلى العدد النهائى من الخلايا و المشابك الإلكترونية.

هل حان الوقت للإستبدال المخ البشرى؟

ليس المقصود من إنتاج تلك الشريحة محاكاة لمخ الإنسان للإستغناء عنه فى وقت من الأوقات و الإعتماد الكامل على حواسيب الذكاء الإصطناعى للقيام بدوره. لكن فائدة الشريحة فى كونها مستلهمة من مخ الإنسان، و ذلك للإرتقاء بأداء الحواسيب فى التعامل مع البيئة المحيطة بردود أفعال سريعة فى المواقف المختلفة و التى تقف أمامها الحواسيب العادية عاجزة و بطيئة. يمكن للحواسيب الثورية الجديدة مراقبة مياة البحار و المحيطات و قياس الحرارة و الضغط و إرتفاع الأمواج من خلال شبكة من المجسات و الآليات الميكانيكية، و بتحليل منطقى كامل للمعلومات فى وقت قياسى يتم تحديد إذا ما لزم إصدار تحذير بشأن إحتمال حدوث موجات تسونامى.

أما عن صلاحية المنتجات و السلع التى يستهلكها البشر فهى أيضا يمكن ان تكون محل إختبار و تدقيق عن طريق قفازات ذكاء إصطناعى ، تقوم بمراقبة الشكل الخارجى و الرائحة و الملمس و الحرارة للمنتج أو السلعة و إعطاء إشارة بصلاحيتها من عدمه، و هى المهمة التى يمكن للمخ البشرى ان يقوم بها بسهولة و سرعة ، فقط عندما تمسك بثمرة فاسدة فإنك تدرك ذلك مباشرة من خلال رائحتها أو ملمسها أو شكلها الخارجى و هذا هو ما نتمنى أن يفعله النظام الحاسوبى القائم على الشرائح الإدراكية.

تخيل إشارات مرور تراقب و تسجل المشاهد و تتنبأ بالحوادث أو مفاعلات نووية آمنة تقوم على أنظمة إدراكية تحلل المعلومات و تصنع القرارت الفاصلة التى تحد من كوارث نووية محققة.

حتى الآن تحققت أهداف المشروع القصيرة المدى وهى شريحة صغيرة الحجم ، و تستهلك قدر ضئيل من الطاقة و سريعة الأداء. إلا أن التوصل إلى نظام حاسوبى متكامل يشبه مخ الإنسان ما زال بعيد المنال و لكن تلك الشريحة الثورية هى القطرة التى تسبق الغيث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:1,2,3,4,5,6,7

الجمعة، 24 يونيو 2011

العالم عام 2100-الجزء الثالث و الأخير

تابع الجزء الأول و الثانى من هذا المقال

عام 2100 :حيث خرافات لا يصدقها عقل


بطريقة ما اذا إستطعت أن تزور أسلافنا القدماء لتريهم أعظم ما لدينا الآن من مخترعات و تقنيات حديثة، فبلا شك سوف يظنون أنك ساحر!بإستخدام سحر العلم تعرض عليهم الطائرات النفاثة التى تخترق السحاب و الصواريخ التى تزور القمر و الكواكب و أجهزة المسح بالرنين المغناطيسى التى ترينا ما بداخل الجسم الحى بكل سهولة و التليفون المحمول الذى يمكنك من الإتصال مع أى شخص على الكوكب . و قد يمسكون بك بتهمة الشعوذة إذا ما أريتهم أجهزة الحاسوب المحمول التى تبعث بالرسائل و الصور المتحركة عبر القارات لحظيا بضغة زر!

الآن عد إلى زمانك الحاضر حيث تعتبر تلك التقنيات شئ عادى فى حياتك اليومية، أتحداك أن تتخيل العالم عام 2100 ،إليك لمحة منه.فى 2100 سوف نتمكن من التحكم فى الأجسام بقوة العقل فقط و كأنك ساحرعن طريق شرائح منمنة تزرع فى المخ ،أما الحواسيب فيمكنها بسهولة قراءة ما يدور فى ذهنك و تنفذ لك أحلامك و أمنياتك ،و عدساتك اللاصقة سوف تتصل بقاعدة معلومات ضخمة لتستحضر الصور فى طرفة عين! . أما بإستخدام التكنولوجيا الحيوية و الطبية فسوف نجعل أجسامنا فى صحة تامة ، بإستخدام الطب الجزيئ سوف يتمكن الأطباء من إنتاج أى عضو من أعضاء جسم الإنسان بسهولة بالإضافة إلى تمكنهم من القضاء على الأمراض الوراثية، كما أن جسم الإنسان لن يعرف المرض و ذلك بفضل الملايين من أجهزة إستشعار الحمض النووى "دى إن إيه" و الجسيمات النانوية التى تسرى بصمت فى أنحاء الجسم على هيئة دوريات حماية تقوم بمسح كامل لتكتشف أى علامة مبكرة للمرض. بفضل التطور فى أبحاث الجينات سوف يتمكن العلماء من إبطاء عملية الشيخوخة و التقدم فى السن و ربما عكسها أيضا! مما يترتب عليه من إمتداد فترة حياة الإنسان لسنوات أطول.و بقوة تكنولوجيا النانو سوف تكون لنا المقدرة أن نحول شئ إلى أى شئ آخر و كأنه أت من لاشئ و ربما يكون لها الفضل فى صنع المصعد الفضائى الذى يحملك من الأرض لتقطع مئات الأميال فوق الغلاف الجوى بضغطة زر! سوف نمتطى مركبات ملساء تحلق فى السماء بذاتها و تعرف طريقها إعتمادا على تكنولوجيا الـ"جى بى إس "بدون وقود و تطفو فى الجو و كأنها مستلقية على وسائد هوائية! متكأة على مجالات كهرومغناطيسية غير مرئية. بتكنولوجيا المحركات سوف نمتلك طاقة النجوم الغير محدودة، و بتطويعها فى مركبات نجمية نستكشف بعض النجوم القريبة منا بإستخدام تقنيات الدفع الليزرى بدلا من تقنيات الدفع الكيميائى المكلفة. بينما نحن نتحدث هنا ، فإن تلك التقنيات تصنع و تطوع الآن فى المختبرات و المعامل حول العالم كل هذا و أكثر هو نقطة فى بحر واسع مما هو متوقع أن نراه بعد 100 عام، أطلعك على بعض منها أيضا على سبيل التشويق، الصواريخ المدفوعة بالمادة المضادة و الرؤية بأشعة إكس و الروبوتات التى تبدى المشاعر و تكن العواطف!!!.

لماذا لا تتحقق بعض التنبؤات المستقبلية؟


بعض التوقعات لعصر المعلوماتية لم تتحقق على الإطلاق، كمثال تنبأ بعض المستقبليين أن تكون مكاتب هذا العصر بلا اوراق! بفضل عصر الحاسوب لابد و ان يندثر الورق للأبد. فى الواقع حدث العكس تماما ، فى نظرة خاطفة إلى المكاتب نرى أن الأوراق متزايدة أكثر من زى قبل. توقع البعض أيضا "مدن بلا أناس"! رأى هؤلاء المستقبليون أن المقابلات و الاجتماعات عبر الإنترنت سوف تكون سمة العصر، و لن تكون هناك حاجة بعد الآن إلى الإجتماعات وجها لوجه. كما أن المدن ذاتها سوف تصبح خاوية لأن الناس لن يكونوا فى حاجة إلى الذهاب إلى مكاتبهم أو اعمالهم ، فالعمل من المنزل سيكون هو العادة. و بالمثل انتشار مفهوم "السياحة الإنترنتية"، فما على السائح إلا أن يستلقى على أريكة مريحة و يبدأ جولته حول العالم ليشاهد المعالم السياحية فقط عبر الإنترنت على جهاز الحاسوب الخاص به.أيضا عن طريق"التسوق الإنترنتى" فلتدع فأرة حاسوبك تقوم بالمشى عنك ، و فى هذه الحالة لابد أن تفلس مراكز التسوق لا محالة!أما "الطالب الإنترنتى" فيحضر دروسه عبر الإنترنت و الجامعات سوف تغلق أبوابها لعدم إلتحاق الطلبة بها!
إنظر إلى أى مصير انتهى التليفون المرئى الذى كان يعتبر قفزة فى تكنولوجيا الإتصال،فى عام 1964 أنفقت شركة AT & T نحو 100 مليون دولار من أجل تصميم شاشة تتصل بالتليفون لتمكنك من رؤية المتكلم على الطرف الثانى و العكس بالعكس ، إلا أن تلك الفكرة لم تلقى القبول المتوقع ،و بيع منه فقط 100 وحدة أى أن كل وحدة تكلفت مليون دولار و قد كانت تكلفة فادحة.
و أخيرا ذهبت التنبؤات إلى ان وسائل الإعلام و الترفيه المعروفة لابد و أن تندثر مثل التلفاز و السينما و المسرح و الراديو لكى يحل الإنترنت محلهم و بكل قوة ينتزع شعبيتهم و نراهم قريبا فى المتاحف!
فى الواقع ما حدث كان عكس كل التوقعات، الأزمات المرورية تزداد سوءا أكثر من زى قبل. يتوافد الناس على المواقع السياحية بأعداد غفيرة مما يجعل السياحة من أكبر من الصناعات المدرة للدخل فى العالم. المتسوقون يملأون المحال و المراكز التجارية حتى فى أحلك الحالات الإقتصادية. لم تغلق الجامعات ابوابها و يلتحق بها الطلاب بأرقام قياسية كل عام. للقول الحق، إتجاه الكثيرين إلى العمل من المنزل إلا أن المدن لم يختف سكنها داخل المنازل. من السهولة أن تجرى مقابلة او إجتماع على الإنترنت ، و لكن لا يشعر الكثيرون بالراحة أن يتم تصويرهم عبر الإنترنت مفضلين اللقاء وجها لوجه. كما أثر الانترنت على صناعة الإعلام و الترفيه إلا أن عملاقة الإعلام و الترفيه يجدون طريقهم من اجل تحقيق أرباحهم عن طريق الإنترنت، و مع ذلك لم يندثر التلفاز و لم تغلق السينما.

مبدأ رجل الكهف

لماذا لم تتحقق كثير من التنبؤات التى ذكرناها سابقا؟ يرفض الناس هذا التقدم و هو ما أسميه "مبدأ رجل الكهف".الدلائل الجينية و الأحفورية تشير إلى أن الإنسان القديم من أسلافنا يشبه الإنسان الحديث و لا يوجد دليل على أى إختلاف فى التركيب التشريحى للمخ أو الشخصية لكل منهما.الخلاصة هى أن أى تقنية فى طبيعاتها قد تتعارض مع رغبات أسلافنا، بالتبعية هى تتعارض مع رغباتنا الذاتية!! و كمثال بسيط على مبدأ رجل الكهف هذا ، إن رجل الكهف دائما ما يطلب "الدليل على القتل" لحيوان مثلا، فلا يكفى بالنسبة إليه التباهى بحيوان كبير بعدما فر! الحصول على هذا الحيوان بعد إصطياده حاضر بين يديه دوما أفضل من الإمساك بذيل ذلك الذى فر. بالمثل نحن دوما ما نريد نسخة ورقية عندما نتعامل مع الملفات ، فإننا بشكل غريزى لا نثق فى الإلكترونات التى تطفو فوق شاشات أجهزة الحواسيب الخاصة بنا، لذلك نطبع بريدنا الإلكترونى و التقارير حتى و لو لم يكون ذلك ضرورى ....لهذا لا يمكن أن يصبح المكتب بلا أوراق. كذلك فضل أسلافنا اللقاء وجها لوجه، فقد ساعدت تلك العادة على تكوين العلاقات الإنسانية و قراءة المشاعر الخفية.لذلك لا يمكن أن تتحقق "المدينة بلا أناس" ، مثلا عندما يرغب صاحب العمل أن يقيم الموظفين لديه فمن الصعب القيام بهذه المهمة عبر الإنترنت لكن يفضل أن يكون اللقاء وجها لوجه حتى يستطيع صاحب العمل أن يكون إنطباع داخلى و معلومات قيمة عن كل شخص من خلال لغة الجسد .مشاهدة الناس عن قرب يساعد فى تكوين روابط فيما بيننا و من خلال فهمنا للغة جسد كل شخص يمكننا أن نفهم ما يعتمل فى عقله و يدور فى ذهنه. لهذا تجد أسلافنا تعاملوا فيما بينهم بناءا على لغة الجسد للتعبير عن أفكارهم و مشاعرهم.
كذلك دوما أراد الإنسان القديم أن يرى الشئ حقيقة و لم يعتمد قط على أقوال الغير لأن هذا هو ما تحتمه عليهم غريزة البقاء فى الغابة بألا يعتمد على الشائعات بل على الدليل المادى القاطع.لذلك تجد المسارح لم تندثر برغم ظهور السينما و الإنترنت.
نحن نحدر من أسلاف كانوا عرضة للهجوم الدائم من الحيوانات الضارية أو من بعضهم البعض. لذلك نحن نحب المكوث أمام التلفاز لنشاهد آخرين لساعات طويلة و لكننا نصاب بإرتباك و عصبية حينما نشعر بأن آخرين يشاهدوننا و هو رد فعل غريزى تجاه شعورنا بأننا مراقبون.فى الحقيقة وجد العلماء أن مدة أربع دقائق كافية لتصيب شخص بالإرتباك أذا شعر أن شخص آخر غريب يحدق فيه، و بعد مرور 10 ثوان قد يتحول الامر إلى عدائية و غضب سريع لكونه عرضة للتحديق المستمر!هذا هو السبب وراء فشل التليفون المرئى الاول و لكننا و بعد أعوام طويلة بدأنا بشكل بطئ و بتحسن مؤلم محاولة الإعتياد على فكرة الإجتماع عبر الإنترنت.

سيف العلم

لقد شاهدت فيلم غير من نظرتى تجاه المستقبل إلى الأبد. و هو فيلم إسمه"الكوكب الممنوع Forbidden Planet" المأخوذ عن رواية لشكسبير و فيه مجموعة من رواد الفضاء تقابلوا مع حضارة قديمة تسبقنا بملايين السنين ، و قد وصل هؤلاء إلى منتهى اهدافهم التكنولوجية، القدرة الكاملة على التحكم فى كل شئ بإستخدام عقولهم فقط لا غير . أفكارهم كانت متصلة مع مفاعل نووى- حرارى مدفون فى أعماق كوكبهم يحول كل رغباتهم إلى حقيقة. نحن البشر سوف نمتلك تلك القوة و لكننا لن نحتاج إلى الإنتظار لملايين السنين بل أننا على بعد خطوات منها فقط فى غضون 100 عام، لكن هذا الفيلم أيضا كان ينطوى على حكمة لأن هذه الطاقة الجبارة اللا نهائية التى إمتلكتها تلك الحضارة إنقلبت عليها لتدمرها بأكملها. نعم بالفعل العلم سيف ذو حدين، يخلق مجموعة من المشاكل بينما يحل مجموعة أخرى منها.فهناك إتجاهين مضادين للعلم فى الوقت الحاضر: الإتجاه الأول الذى يسعى إلى حضارة علمية أنيقة لكن الإتجاة الثانى المضاد يقوم على التجاهل و الفوضى و هو ما يمزق مجتمعاتنا. ما زلنا نمتلك نفس المشاعر العدائية البدائية لأسلافنا الفارق أننا نمتلك اليوم الأسلحة النووية و الكيميائية و البيولوجية!
فى المستقبل سوف يصبح الإنسان هو المتحكم فى الطبيعة و ليس مجرد مشاهد عابر بل هو المحافظ عليها أيضا. لذا دعونا نأمل فى قدرتنا على السيطرة على سيف العلم بالحكمة و الإتزان.
إنطلق فى رحلة إفتراضية إلى المستقبل من خلال كتاب "فيزياء المستقبل Physics of The Future" كما رواها علماء يصنعون هذا المستقبل، سوف تشاهد خلال تلك الرحلة معالم التقدم العلمى فى المستقبل فى الحواسيب و الإتصالات و التكنولوجيا الحيوية و الذكاء الإصطناعى و النانو تكنولوجى ....التى سوف تغير مستقبل هذه الحضارة لا محالة.

و الآن عزيزى القارئ كيف ترى المستقبل؟ و كيف ترى التقنيات العلمية بعد 100 عام؟ أطلق لخيالك العنان و دون أفكارك و خيالاتك ليكتبها التاريخ فى صفحات كتابه فيتصفحها أحفاد أحفادك من البشر بعد 100 عام ليثبت عندها صحة توقعاتك أو خطأها!!

المصدر:1

السبت، 30 أبريل 2011

الزهرة السوداء فى عوالم الغرباء


الزهرة السوداء...إسم يصلح عنونا لرواية رومانسية ذات نهاية مأساوية أو إسم حركى لبطلة رواية بوليسية!! إلا أن وجود زهور سوداء أمر محتمل إذا ما إمتلكنا يوما شمسين بدلا من شمس واحدة!



بالطبع اللون الأسود ليس نتيجة إحتراقها كما قد يخيل للبعض!، أنما هو لون ينتج عن تكيف النباتات و الأشجار على الحياة فى بيئة لكوكب يدور فى نظام شمسى يتكون من نجمين و ليس نجما واحدا فقط.
فى دراسة فريدة من نوعها قدمها دكتور "جاك أومالى" مؤخرا فى إجتماع الجمعية الفلكية الملكية فى ويلز، يطرح دكتور أومالى عدة تساؤلات يحاول الإجابة عنها من خلال دراسته أولها:

"ما هو اللون المتوقع للحياة النباتية على كوكب يدور حول قزم أحمر ؟"

هذا القزم الأحمر ليس قزما بالمعنى الحرفى للكلمة بل هو نجم صغير تقل كتلته عن نصف كتلة الشمس ،كما أنه بارد نسبيا فدرجة حرارة سطحه لا تتجاوز 4000 درجة كلفن. أما عن سبب إختيار دكتور "أومالى" لقزم الأحمر ليكون محل دراسته فيرجع إلى كون مجرتنا درب التبانة تعج بهم! و معظم الكواكب التى يحتمل إمكانية وجود حياة على سطحها تدور حول نجوم من هذا النوع.بمحاكاة الحياة النباتية على كوكب يدور حول قزم أحمر وُجد أن لون النباتات لابد و أن يكون أسود أو رمادى على أقل تقدير، لكن لماذا؟ لنجيب على هذا السؤال دعونا اولا نجيب على تساؤل آخر...لماذا تبدو نباتاتنا الارضية باللون الأخضر؟ النباتات الأرضية تتغذى و تستمد طاقتها من ضوء الشمس الذى يتكون من طيف كامل من الألوان بداية من البنفسجى و إنتهاءا بالأحمر، من خلال عملية كيميائية معروفة بإسم "البناء الضوئى".


الطيف الضوئى

خلال عملية البناء الضوئى يسقط شعاع الضوء على ورق النبات، فيمتص منه الطيف الأحمر و البنفسجى و مابينهما فيما عدا اللون الأخضر الذى لا يمتصه إطلاقا إنما يعكسه من على سطح الورقة لتره أعيننا باللون الأخضر المعتاد. هناك عدة عوامل يتحدد على أساسها لون النبات أهمها نوعية الضوء الساقط عليه و كذلك ظروف البيئة المحيطة به من تربة و مناخ. ففى حالة نباتاتنا الأرضية ،بيئة نموها و ضوء الشمس بألوانه ما بين الأحمر و البنفسجى هما فقط ما يحتاجه النبات لكى يتغذى و ينمو أما اللون الأخضر فغير ضرورى لنموه لذلك هو يعكسه و لا يمتصه. اللون الأخضر بمفهومنا نحن البشر يختلف عن مفهومه بالنسبة إلى النبات ،فاللون الأخضر بالنسبة لنا ما هو إلا طريقة ترجمة من المخ البشرى لموجات لها طول معين تنعكس من على سطح النبات لتسقط على أعيننا. أما من وجه النظر الكيميائية للنبات فهو يحتاج إلى الموجات ذات طول موجى "معين" لكى تتم عملية "البناء الضوئى" أما الموجات الضوئية ذات الطول الموجى الخاص باللون الأخضر كما نراه ، يعكسها النبات لأنها لن تفيد فى عملياته الكيميائية الخاصة بالبناء الضوئى.بعض النباتات الأخرى قد تبدو بألوان مختلفة سوى الاخضر لأنها لا تستفيد من اللون الذى تبدو عليه فتعكسه و ذلك لإختلاف ظروف نموها و بيئتها عن تلك التى النباتات التى تظهر باللون الأخضر.


إذا عدنا مرة أخرى إلى الحياة النباتية على كوكب يدور فى نظام شمسى من الأقزام الحمر، نذكر أن القزم الأحمر نجم خافت الضوء أى أن جميع أشكال الحياة على كوكب يدور حوله قد لا يصلها نفس كم الضوء الذى يصلنا على كوكب الأرض من الشمس، لذلك فى حالة النبات قد تجده فى لهفة و تعطش ليمتص كل ألوان الطيف الممكنة بما فيها الأشعة تحت الحمراء و الفوق البنفسجية حتى يستفيد من كل شعاع ضوء حتى أخر فوتون فيه! لكى يتسنى له القيام بعملية "البناء الضوئى" و معنى أن يمتص النبات كل الضوء المرئى الساقط عليه إذا هو لا يعكس أى قدر منه لذا لابد و ان يبدو باللون الأسود ! و هنا تظهر قوة التطور البيولوجى الذى يجعل أشكال الحياة المختلفة بما فيها النباتات تتكيف مع البيئة المحيطة و الموارد المتاحة حتى تستطيع النجاة فى ظل الظروف القاسية التى تفرضها على الطبيعة.

إنتقل دكتور أومالى إلى تساؤل أخر و هو:

ماذا لو كان الكوكب يدور فى نظام شمسى يحتوى على نجمين متباينين أحدهما قزم أحمر و الأخر نجم أصفر مثل شمسنا ؟


فى الأنظمة الثنائية من نجمين "أصفر" و "قزم أحمر" قد يكونا إما فى حالة "إقتران" أى أنهما على مسافة قريبة من بعضهما البعض بحيث يقع كلاهما داخل المدار الخاص بالكوكب،


النجمان فى حالة الإقتران

أو يكونا فى حالة "تقابل" فيدور الكوكب بإنتظام حول أحدهما بينما يقطع مداره المسافة بينهما.

النجمان فى حالة التقابل

يدرس دكتور أومالى الإحتمالات العديدة تلك من خلال برنامج محاكاة ليدرس تأثير الأوضاع المختلفة للنجمين بالنسبة للكوكب على الكيفية التى يمكن أن يتصرف بها النبات و طريقة تكيفه مع تلك الأوضاع المتعددة. فقد يجد النبات نفسه مضطرا لكى يمتص الإشعاعات القادمة من نجمين فى آن واحد تارة، أو أن يتعايش مع ضوء نجم واحد بعد حرمانه من أحد النجوم التى تمده بالطاقة فى أحد مراحل حركته تارة أخرى أو قد يحرم من كليهما معا و يعيش فى ظلام دامس لبعض الوقت، و هو ما يرغمه على تطوير نظام ذاتى لديه للحصول على الطاقة اللازمة لحياته و يتكيف مع وضعه. و بناءا عليه قد نجد النبات متلون و متغير Technicolor لونه مثل الحرباء على حسب حاجته للضوء و وضعه الحالى بالنسبة لنجميه!

اذا كان النجمان فى حالة تقابل (فى الصورة) يتعرض الكوكب إلى ضوء النجمين بنسب متفاوتة على حسب قربه أو بعده عن كل منهما إلا انه فى مرحلة ما يصبح فى حالة إظلام حيث لا يطالع سمائه أى من النجمين. هذه الصدمات التى يتعرض لها النبات من وفرة غزيرة من الضوء ثم حرمان و تقطير منه ،قد يؤدى بالنبات إلى إبتكار أساليب غريبة لا تخطر لنا على بال، فمثلا قد يتحول النبات إلى هجين نباتى-حيوانى بمعنى أنه يتعايش فى "ثوبه" النباتى فى حالة تعرضه بشكل ملائم إلى الضوء للقيام بعملية بناءه الضوئى، لكن حالما يغيب نجمه ينزع عنه ثوبه النباتى و يتحول إلى الجزء الحيوانى منه لكى يتحرك و يبحث له عن مؤنه من الغذاء حتى سطوع نجمه مره أخرى أو ربما يجد طريقة ما ينتقل بواسطتها إلى النصف الأخر من الكوكب الذى يسطع عليه نجمه المحبب!!

لا تستنكر أو تستغرب عزيزى القارئ، فالحياة النباتية على الأرض قد تحمل نفس القدر من الغرابة أيضا


إنظر إلى تلك الورقة الطافية التى تصطنع قدرا من البراءة، حذارى ان تنخدع . هذه نوع من اليرقان البحرى الأخضر و تسمى eastern emerald Elysia ، تلك اليرقانة تتغذى على طحالب البحر الخضراء كأى حيوان بحرى يبحث عن قوت يومه ثم تعود فتستخدم "البلاستيدات الخضراء" الخاصة بالطحالب التى تغذت عليها سلفا (و هى الخلايا الأساسية فى أى نبات) لتساعدها فى القيام بعملية "البناء ضوئى" أى انها تتصرف ككائن بحرى و نبات فى آن واحد!!

قد يظن البعض أن دراسة دكتور أومالى درب من دروب الرفاهية ، إلا أنها دراسة غاية فى الذكاء و الأهمية. تنصب أبحاث العلماء فى الوقت الحالى على إيجاد الكواكب الشبيهه بالأرض و التى تدور فى مجموعات شمسية مجاورة داخل مجرتنا درب التبانة و قد وُجد منها المئات بالفعل. ما يحصل عليه العلماء هو مجموعة من الصورالتى تلتقطها التلسكوبات لتلك الكواكب و تحتوى هذه الصور على مجموعة من الأطياف اللونية التى قد يصعب تفسير ماهيتها لأن بيئتها تختلف عن بيئتنا الأرضية و كذلك ألوانها الطبيعية قد تكون مغايرة لما تعودنا عليه، لذلك بمحاكاة علمية كالتى قام بها دكتور أومالى ، يمكننا التعرف على طبيعة الكواكب المجاورة لنا بسهولة و قد نجد منها ما يصلح لحياة البشر.

المصادر:1،2،3

الصفحات