الاثنين، 5 سبتمبر 2011

الطاقة القمرية

يسارع الجنس البشرى الآن فى عجالة من أمره نحو تطوير و تطويع مصادر الطاقة النظيفة و المتجددة المتمثلة فى طاقة الشمس و الرياح، فى زمن أصبح فيه مصير البشرية على المحك مع قرب نفاذ المخزون العالمى من الموارد البترولية و النفطية التى هى مصدره الوحيد للطاقة. إلا أن الإنسان يصبح أكثر إبداعا و إبتكارا فى أوقات الأزمات، ففى الوقت الذى انحصر فيه تركيز جموع العلماء على الطاقة المتجددة شمسية منها و ريحية ، أتى البعض الآخر بحلول مبتكرة لمشكلة الطاقة و تكمن تلك الحلول فى الحصول على الطاقة من "القمر".


إذا تحدثنا عن القمر فلابد من ذكر أنه أقرب جيران الأرض، الذى يبدد ظلام سمائها ليلا بضوء خافت ، ذلك الضوء الخافت هو أقصى ما يمكن أن يجود به القمر على الأرض، فهو بطبيعته جرم سماوى معتم يضئ بفعل إنعكاس ضوء الشمس على سطحه ، فلا هو مضئ بذاته و لا يشع حرارة. و بذلك يكون القمر مجرد جار ودود نتطلع إليه فى سماء الليل ، إلا أن العقول المفكرة وجدت الحل لمشكلة الطاقة من القمر، فمن تأثير جاذبيته "طاقة مائية" ، و من الغازات المختزنة فى تربته "طاقة إندماجية"، و من موقعه بين الشمس و الأرض "طاقة شمسية"!!

الطواحين المائية

إعتمد البشر لسنوات طويلة على القمر فى إنتاج الكهرباء فهى ليست فكرة مستحدثة، بإستغلال تأثير جاذبية القمر على الأرض و التى تسبب حدوث ظاهرة المد و الجزر. تنتشر السدود على المسطحات المائية حول العالم لتحصر المياه الزائدة فى أوقات المد و تطلق سراحها فى أوقات الجزر فتندفع بقوة لتدير توربينات تحول الطاقة الحركية إلى كهرباء تمد آلاف المنازل و المصانع. لكن ليست تلك هى الطريقة الوحيدة الممكنة للإستفادة من ظاهرة المد و الجزر ، فكما نستفيد من طاقة الرياح و نحولها إلى كهرباء بإستخدام طواحين الرياح ،يمكننا بالمثل الإستفادة من طاقة التيارات المائية لتتحول إلى طاقة كهربائية عن طريق طواحين مائية!!


فى قاع البحار و المحيطات تكون المياه فى حالة حركة دائمة متأثرة بسيطرة جاذبية القمر عليها.عندما يسطع القمر على بقعة ما على الأرض فإن منسوب ما تحتويه من مياه يرتفع و هو ما يعرف بالمد ،أما المناطق المجاورة التى لم ترى سطوع القمر بعد لا تتأثر بقوة جذبه فينخفض منسوب المياه لديها و هذا ما يسمى بالجزر.و لكن من أين تأتى المياه التى تسبب إرتفاع المنسوب فى حالة المد و كذلك إلى أين تذهب المياه المنقوصة فى حالة الجزر؟ و الإجابة على هذا السؤال أن المياه يعاد توزيعها بشكل عام فالنقص فى مياه الجزر تخدم الزيادة فى مياه المد ، بحيث أن المياه المنقوصة فى مناطق الجزر تتحرك بتأثير جذب القمر لترفع منسوب المياه فى مناطق المد لذا نجد المياه فى حركة دائمة ذهابا و إيابا بين مد و جزر.

المقطع المصور التالى يوضح إرتفاع مستوى الغطاء المائى للأرض تأثرا بجاذبية القمر و العكس بالعكس:



إذن طاقة الحركة تلك قادرة على تدوير شفرة مروحة عملاقة توضع فى قاع البحار و المحيطات ، تتصل تلك المراوح بتوربينات تحول الحركة إلى كهرباء تسرى فى كابلات طويلة وصولا إلى الشاطئ حيث شبكة توزيع الكهرباء.
تتميز الطواحين المائية بعدم حاجتها إلى مساحات من اليابسة أو مزارع واسعة لتُنشئ عليها، بعكس طواحين الرياح و هى أحد الأمور الموضوعة على طاولة النقاشات بشأن الطاقة فقد أصبحت المساحة المتاحة قضية محل إهتمام ، مع تزايد عدد سكان الأرض بشكل متطرد و بلوغ تعدادهم 7 مليارات نسمة فى عام 2011. ميزة أخرى تتمتع بها الطواحين المائية و هى أن التيارات المائية تتبع نمط ثابت يمكن التنبؤ به من زيادة أو نقص فى السرعة حسب دورة القمر و تأثيره من مد و جزر بعكس الرياح التى يصعب التنبؤ بوقت هبوبها و سرعته. و نطمئن القلقين بشأن الحياة البحرية بأنه لا تأثير لتلك الشفرات العملاقة عليها فسرعة دورانها بطيئة نحو 20 دورة فى الدقيقة لتسمح بمرور الأسماك و الكائنات البحرية من خلالها فلا تشكل خطرا على حياتها.

أول طاحونة مائية فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008

تم بالفعل إنشاء أول طاحونة مائية تجارية فى العالم عام 2003 تنتج 300 كيلو وات فى إنجلترا، و توالى إنشاء مئات الطواحين المائية حول العالم منذ ذلك الحين ، منها نحو 79 طاحونة مائية فقط فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2009 بالإضافة إلى 149 طاحونة أخرى بإنتظار الموافقة النهائية لتنتج طاقة نظيفة و آمنة تقدر بآلاف الكيلو وات، برغم من مواجهة توربيناتها لبعض التحديات مثل تحمل الظروف القاسية من الكثافة المرتفعة للمياه بالمقارنة بكثافة الهواء و مقاومة الصدأ.

الطاقة الإندماجية القمرية

...و من جاذبية القمر إلى تربته التى تزخر بملايين الأطنان من غاز "هيليوم-3 "، و بالرغم من عدم وجوده فى الطبيعة على الأرض إلا أنه مطمع للبشر، فهو الوقود المنتظر للتفاعلات الإندماجية. تلك التفاعلات مثيلة لما تحدث فى قلب الشمس و تولد الطاقة و الحرارة التى تصلنا هنا على كوكب الأرض، تحدث نتيجة "إندماج" أو إلتحام ذرتين أو أكثر لتصبح ذرة واحدة و يصاحب هذه العملية إنطلاق طاقة هائلة . تُعد تلك هى الطاقة المستقبلية التى يطمح العلماء فى التوصل إلى وسيلة لإنتاجها على كوكب الأرض لتكون بديلا للبترول و النفط، و هذه الوسيلة المرتقبة بالطبع هى مفاعل نووى "إندماجى" يتحكم فى تلك التفاعلات و ينظمها ثم يحول الطاقة الناتجة عنها إلى كهرباء تشبع حاجات البشر. تقنيات المفاعلات الإندماجية ما زالت قيد البحث و التطوير و من المتوقع أن تكون جاهزة للإستخدام التجارى فى غضون 20 سنة. فى هذه الأثناء لابد من البدأ فى عمليات البحث و التنقيب عن الوقود المحفز لتلك التفاعلات الإندماجية "هيليوم-3"....من تربة القمر.

قلب المفاعل الإندماجى "جيت" قيد التطوير

عملية التنقيب عن غاز الهيليوم-3 تعد هى المهمة الأصعب ولكنها تستحق بكل تأكيد ، فحمولة مركبة فضائية واحدة من هيليوم -3 بسعة 20 طن تكفى لإمداد الولايات المتحدة الأمريكية بالطاقة لمدة سنة كاملة. لكن هذا الأمر متوقف على مقدرة تقنية التنقيب الحالية على إستخراج هيليوم-3 من تربة القمر دون تكلفة عالية و هو الأمر المستبعد بالنظر إلى كون عنصر هيليوم-3 يمثل نسبة واحد على ثلاثة آلاف فقط من الهيليوم الكلى الموجود فى تربة القمر بالإضافة إلى أن نسبة الهيليوم نفسه تقدر بحوالى 10 إلى 220 جزء من المليون ،و الذى يعنى بالضرورة الحاجة إلى حفر ملايين الكيلوجرامات من التربة من أجل إستخراج كيلوجرام واحد من غاز هيليوم-3 !! و هو الأمر الذى أثار حفيظة العلماء المناهضين لمشروع التنقيب عن الهيليوم-3 فى تربة القمر آخذين فى الإعتبار أن العملية بأكملها بدأ من نقل المعدات المستخدمة فى التنقيب إلى عودة غاز هيليوم-3 الجاهز للإستخدام ، تعنى حرق مليارات من وقود الصواريخ ، و يرون الأمر برمته حل غير عملى على الإطلاق.

أجهزة التنقيب عن هيليوم-3 تختلف عن الأجهزة العادية التى تستخدم فى البحث عن البترول و الغاز الطبيعى فى باطن الأرض، و ذلك لأن الهيليوم يمثل جزءا لا يتجزأ من تربة القمر و لا يوجد فى آبار أو جيوب غازية فى باطنه. لذلك فإن التربة نفسها تخضع لتحليل و عمليات كيميائية تستمد طاقتها من أشعة الشمس التى يلتقطها الهوائى الخاص بمحطة التنقيب و يركزها لخدمة عملية التحليل و فى النهاية يتصاعد غاز هيليوم-3 منها و يعبأ فى إسطوانات.


جهاز التنقيب عن هيليوم-3 فى تربة القمر

تتميز الطاقة الناتجة عن المفاعلات الإندماجية القائمة على هيليوم-3 أنها نظيفة و صديقة للبيئة و ذلك لأنها تكون مشعة بقدر ضئيل جدا، تقريبا بنفس كم الإشعاعات الناتجة عن قسم العلاج الإشعاعى بالمستشفيات،بعكس المفاعلات النووية التقليدية التى تقوم على التفاعلات الإنشطارية و فيها تنشطر الذرة إلى أجزاء أصغر منها و يصاحب الإنشطار طاقة كبيرة تستغل فى إنتاج الكهرباء ،لأن الوقود المحفز فى المفاعلات الإنشطارية هو عنصر اليورانيوم المشع المتواجد فى الطبيعة على الأرض بعكس هيليوم-3 إلا أن تسربه يؤدى إلى كارثة محققة مثل تشيرنوبل تهدد بفناء البشر و الكائنات الحية على حد سواء.

هذا التخطيط الكامل للتنقيب عن و إستخراج هيليوم-3 من تربة القمر، كان جزءا من مهمة "مشروع العودة إلى القمر" الذى أسسه الرئيس الأمريكى جورش بوش عام 2004 و ألغاه الرئيس أوباما عام 2009 و الذى كان من المخطط له ببناء قاعدة قمرية أمريكية بحلول عام 2024 تبدأ فى تنفيذ مشروعات ناسا على القمر و من ضمنها مشروع التنقيب عن هيليوم-3 .فهل تتبنى وكالة فضاء أخرى المشروع أم يذهب أدراج الريح؟

حزام الطاقة

بعد كارثة مفاعلات فوكوشيما اليابانية أعادت الكثير من الدول التفكير بشأن مصادر طاقتها، لتتجنب أى مخاطر مستقبلية تتبع الخيار النووى. و عليه كشفت شركة "شيميزو SHIMIZU" اليابانية عن فكرة لتحويل القمر إلى محطة ضخمة لتوليد الطاقة ثم تعيد بثها إلى الأرض.كانت هذه الفكرة احدى مخططات ناسا للعودة إلى القمر إلا أنها توقفت أيضا بسبب إيقاف المشروع ككل كما ذكرنا سلفا، إلى أن جاءت شركة "شيميزو" لتعيد إحياء الفكرة مرة أخرى.

يتميز القمر بموقع إستراتيجى بين الأرض و الشمس فكما تتمتع الأرض بضوء الشمس ، ينال القمر أيضا قسطا وافر منه كافي لجعله مضيئا و تقدر كمية الطاقة التى تصله من الشمس بنحو 13000 تريليون وات تكفى نسبة واحد بالمئة منها لسد حاجة الأرض من الطاقة.

تسعى شيميزو إلى تنفيذ ذلك المشروع الضخم تحت إسم "حلقة لونا LUNA ring" و هى حزام من الخلايا الشمسية يغطى محيط القمر بالكامل من عند خط الإستواء يقدر بـ 6800 ميل طولا و 12 ميل عرضا حيث يتعرض خط الإستواء إلى كم ثابت و دائم من الضوء. تقوم الخلايا على الجانب المواجهه للشمس بتحويل الأشعة الضوئية إلى كهرباء تسرى فى كابلات طويلة حتى تصل إلى محطات الإرسال على الجانب الآخر المواجهه لكوكب للأرض. تعمل محطات الإرسال على تحويل الكهرباء إلى موجات ميكروية و أشعة ليزرية ثم تبثها إلى محطات الإستقبال على الأرض، و ما أن تتحول الموجات و الليزر إلى كهرباء مرة أخرى فإنها تتوزع حول العالم لتغذى حاجات البشر جميعا بشكل متساوى و عادل.

يتميز "حزام لونا" بالكفاءة العالية فى الإستفادة الكاملة من ضوء الشمس تصل إلى 10 أضعاف كفاءة المزارع الشمسية على الأرض ، فلا وجود لغلاف جوى يحيط بالقمر و بالتبعية لا سحب أو مناخ سيئ يمكن أن يؤثر على كفاءة وصول ضوء الشمس إليه. أيضا تدفق الطاقة من القمر إلى الأرض لا يتوقف 24 ساعة فى اليوم و 7 أيام فى الأسبوع، فى كل الأوقات يتعرض جزء منه للشمس بعكس المزارع الشمسية التقليدية التى تعمل نهارا بحسب الحالة الجوية و لا تعمل ليلا بالطبع.

تمتلك شيميزو رؤية كاملة لبناء حزام لونا من موارد القمر، بالنظر إلى تكلفة بناءه على الأرض و إرساله إلى القمر ثم مهمة تركيبه و تجهيزه ،تجعل الفكرة غير مقبولة. إلا أن شيميزو تنوى إستغلال موارد القمر مع بعض المساعدات البسيطة من الأرض و الأهم من ذلك هو الإعتماد بشكل شبه كامل على الروبوتات لبناء الحزام و التى يتم التحكم فيها عن بعد من كوكب الأرض!

عن المياه اللازمة للبناء فمن تربة القمر مع إضافة الهيدروجين المنقول من الأرض يمكن الحصول عليها . و الإسمنت أيضا يستخرج من التربة و بخلطه مع الحصى و التربة القمرية مرة أخرى نحصل على المواد الخرسانية للبناء. أما القرميد و الألياف الضوئية و المواد اللازمة الأخرى يمكن الحصول عليها بالمعالجة بحرارة الشمس. الخلايا الشمسية نفسها تصنع من السيليكون الذى يتوفر بنسبة 23 بالمئة من التربة و بذلك يتم توفير تكاليف وقود الصواريخ اللازم لنقل الخلايا و كذلك كلفة تصنيعها من موارد أرضية.سوف تبث حلقة لونا 220 تريليون وات من الطاقة ، و بينما يفقد جزء كبير منها فى الفضاء، يصلنا على الأرض 8.8 تريليون وات سنويا.

طبقا للجدول الزمنى الموضوع لتجهيز ذلك المشروع الطموح، من المتوقع البدأ فى تنفيذه فعليا عام 2035 بالتقنيات المتوفرة و المثبتة حتى الآن من خلايا شمسية و محطات إرسال ليزرية و ميكروية و حتى الروبوتات الآلية ، مع الأخذ فى الإعتبار عدم تحديد نسبة معينة للعقبات أو المشكلات التى قد تواجه بناء محطات الطاقة الليزرية على القمر.

القمر هو التابع الطبيعى للأرض و يعتقد أنه كان فى يوم ما جزءا لا يتجزأ منها ،لذا فإن إستغلاله لخدمة بنى آدم و ضمان إستمرار بقاءهم هو أمر ضرورى ، و بخاصة لإمتلاكه المقومات اللازمة لحل مشكلة عويصة تنتظرنا عاجلا أم آجلا، فمن القمر طاقة ثبث فى الأرض حياة...
_______________________

المصادر:

1,2,3,4,5,6,7,8,9,10

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

شريحة إلكترونية ثورية تحاكى مخ الإنسان



فى سبق هو الأول من نوعه كشفت شركة "آى بى إم IBM" للأنظمة الحاسوبية و الإلكترونية عن شريحة إلكترونية جديدة تحاكى فى أدائها المخ البشرى تماما. تمكن دكتور "ديرمندرا مودا" بمساعدة مئة باحث من خمسة من أكبر الجامعات الأمريكية، من إبتكار شريحتين إلكترونيتين هما الثمار الأولى للمشروع الضخم تحت إسم "ساينابس SYNAPSE" و هو إختصارا لـ" أنظمة بلاستيكية قابلة للتكيف و التطوير"، تموله وزارة الدفاع الأمريكية بميزانية 41 مليون دولار تحت مظلة شركة "آى بى إم" .



الحوسبة الإدراكية مقارنة بالحوسبة الفائقة

يهدف المشروع إلى التوصل لشرائح إلكترونية تعمل بتقنية تسمى "الحوسبة الإدراكية Cognitive Computing " و هى نظام إلكترونى كامل يحاكى الإستراتيجية التى يتبعها المخ البشرى الحى للتفاعل مع البيئة من حوله لتحليل الأحداث و حل المشكلات عن طريق ربطها بذكريات أو تجارب سابقة مخزنة فى الذاكرة و يتخذ الإنسان قراره بناءا على ما قام به مخه من تحليل، مما يترتب عليه إنتاج أجهزة حواسيب مفكرة تتفاعل مع الأحداث كافة بدون برمجة مسبقة و تتخذ قرارت مصيرية بدون الحاجة للرجوع إلى الإنسان. تستطيع أجهزة الحواسيب العادية أيضا حل المشكلات المختلفة بطرق مبتكرة و سريعة إذا ما تم برمجتها لحل مشكلة بعينها و لكنها تكون عديمة القيمة عند أى تغيرات بسيطة فى المشكلة التى تقوم بمعالجتها، أوأمام مشكلات أخرى مختلفة عندها تقف عاجزة عن التصرف ، و هو الأمر الذى لن يحدث عند إستخدام تقنية الحوسبة الإدراكية.

أما الحواسيب الفائقة Supercomputers فتتميز بقدرتها على حل المشكلات و الأهداف المخصصة لها بسرعات كبيرة و دقة متناهية تفوق العقل البشرى ذاته بإجراء عمليات و حسابات معقدة بكميات ضخمة تعمل وفق التقنية التى تعرف بإسم "الحوسبة الفائقة SuperComputing ". تتطلب تلك التقنية معالجات Processors و ذاكرة RAMتعادل عشرات من التيرابايت للحاسوب الواحد ،لذلك هى تنطوى على مشكلة عملاقة تتمثل فى أحجامها الكبيرة فتشغل مساحات شاسعة لإحتواء أجهزتها الضخمة من ذاكرة و معالجات و التى تحتاج بالضرورة طاقة هائلة لإدارتها و تشغيلها تقدر بمئات الكيلو وات. من ناحية أخرى يقوم المخ البشرى بالعمليات الإدراكية المختلفة التى تتطلب ربط مباشر بخبرات سابقة و تحليل دقيق مثل التعرف على الوجوه كمثال فى حين تعجزعنه الحواسيب الفائقة و يستنفذ المخ للقيام بذلك طاقة مثل التى يحتاجها مصباح بقدرة 20 وات فقط لكى يعمل!

إستخدم الباحثون فى شركة "آى بى إم" تقنية الحوسبة الفائقة من قبل لمحاكاة القشرة الدماغية لمخ القطة. تطلب الأمر إستخدام ذاكرة قدرها 144 تيرابايت من أجل تمثيل مليار خلية عصبية! و هو رغم ذلك ما زال أبطا بـ 10 مرات عن المخ الحقيقى للقطة. تهدف شريحة "ساينابس" إلى الجمع بين القدرات الهائلة للحوسبة الفائقة من دقة و سرعة ، بالإضافة إلى المقومات البشرية للحوسبة الإدراكية و ضغطها فى مساحة صغيرة بإستخدام التكنولوجيا النانوية.



الحاسوب الفائق SuperComputer الممثل لمخ القطة

شريحة "ساينابس" الإدراكية

قد يعتقد البعض أن التقنية التى توصل إليها دكتور "مودا" و فريقه، موجودة بالفعل و نراها من خلال محركات البحث الإلكترونية مثل "جوجل" الذى يتوقع كلمات البحث التى يدخلها المستخدم بل و يكملها بالنيابة عنه بناءا على خبرة سابقة مخزنة فى ذاكرته العملاقة من كلمات مفتاحية للبحث أدخلها مستخدمون آخرون فى وقت سابق. إلا أن تقنية كالتى يقوم عليها محرك البحث جوجل تختلف تماما عن الإستراتيجية التى تنطوى عليها شريحة "ساينابس".

تمتلك الشريحة الجديدة المقدرة على التعلم مع الإستفادة من خبرات و أحداث مخزنة فى ذاكرتها عن طريق إسترجاعها و تحليلها بالتوازى مع ربطها بالمزيد من الخبرات و الأحداث التى تتلقاها فى الوقت الحالى فى محاولة لمحاكاة أسلوب الخلايا العصبية فى المخ، و لكى نتمكن من فهم الكيفية التى تعمل بها الشريحة لا بد و أن نفهم اولا كيف تعمل الخلايا العصبية. يحتوى مخ الإنسان على شبكة عملاقة متداخلة من 100 مليار خلية عصبية ترتبط مع بعضها البعض عن طريق 100 تريليون رابطة تعرف بإسم "المشابك العصبية".



المشابك العصبية(المضيئة) بين الخلايا العصبية

إرتباط المشابك بين الخلايا العصبية هى الطريقة التى يضيف بها المخ إلى خبراته و تجاربه و يسترجع منها وقت الحاجة. فى المواقف المختلفة يتم تفعيل خلايا عصبية بعينها فى المخ، فمثلا عند ذكر كلمة "بحر" فإن خلايا الذاكرة البصرية تولد فى ذهنك صورة للبحر و مياهه الزرقاء ،و خلايا الذاكرة السمعية تدوى فى أذنك صوت تلاطم الأمواج و تكسرها على الصخور أما خلايا الذاكرة الشمية فتعبق أنفك برائحة ملوحة البحر و النسيم العليل، و لكن تلك الإشارات متفرقة و عشوائية إستحضراتها مراكز مختلفة فى المخ، لكى تكتمل الصورة و تقوم بإدراك تلك الإشارات العقلية لابد و أن يحدث "ترابط" ، فتتكون شبكة من الخلايا ترتبط معا بالمشابك العصبية و هذا الإرتباط يعبر عن خبرة أو تجربة حللها المخ و خزنها على هيئة روابط من المشابك العصبية.إذا أردنا للحواسيب أن تتعلم و تدرك من واقع الخبرات و التجارب فعلينا أن نجعلها تطبق إستراتيجية المخ البشرى فى التفكير.

شاهد المقطع المصور التعريفى بمشروع "ساينابس":



الإستراتيجية الحالية التى تقوم عليها الحواسيب عموما هى إحضار خبرة مخزنة فى ذاكرته الإلكترونية "RAM" لينقلها عبر الناقلات Buses ليوجهها إلى المعالج Processor الذى يحللها ثم يضيف إليها و يحدثها ثم تعاد عبر الناقلات إلى الذاكرة مرة أخرى. كما نلاحظ فإن الطريق الذى تسلكه المعلومات بين الذاكرة و المعالج ذهابا و إيابا هو طريق طويل يستهلك وقت و طاقة كبيرين. لذلك فإن إتجاه "الحوسبة الإدراكية" يقوم على تقريب المسافات بين المعالج و الذاكرة إلى أقرب مسافة ممكنة. فى "الحوسبة الإدراكية" يلعب المعالج دور "الخلية العصبية" أما الذاكرة فهى "المشابك العصبية".

على المستوى العصبى فى المخ فإن "الخلية العصبية" تتلقى المعلومات على هيئة إشارات كهربية من "المشبك العصبى" . عندما تفرغ "الخلية العصبية" من معالجة ما لديها من معلومات فإنها تتشارك بها مع "الخلية العصبية" المجاورة من خلال "المشبك العصبى" الرابط بينهما و هكذا. هذا هو ما يحدث أيضا على المستوى الإلكترونى فى الشريحة "ساينابس" ، يقول دكتور"مودا" : ينتقل نمط معين من المعلومات من الذاكرة (المشبك العصبى) إلى المعالج (الخلية العصبية) و النتيجة النهائية تنتقل من خلال ذاكرة أخرى إلى معالج آخر و هكذا، مكونة شبكة إدراكية كاملة على شريحة سليكونية، إذن تكون نتيجة التقارب بين المعالج و الذاكرة توفير هائل فى الطاقة و الوقت اللازم لإتخاذ قرار.
كما ذكرنا مسبقا أنتج المشروع حتى الآن شريحتين تحتويان على 256 خلية عصبية تربط بينها 262,144 مشبك عصبى يبرمج حسب الغرض و فى الشريحة الثانية 65,536 مشبك عصبى للتعلم الذاتى. لازال المشروع فى مرحلته الأولى، لكن الهدف النهائى الاوحد للمشروع هو الوصول إلى 100 بليون خلية عصبية و 10 تريليون مشبك عصبى كما فى المخ تماما فى حجم قدره 2 لتر فقط ! و هو ما يأمل دكتور "مودا" التوصل إليه بتجميع المزيد و المزيد من تلك الشرائح سويا حتى الوصول إلى العدد النهائى من الخلايا و المشابك الإلكترونية.

هل حان الوقت للإستبدال المخ البشرى؟

ليس المقصود من إنتاج تلك الشريحة محاكاة لمخ الإنسان للإستغناء عنه فى وقت من الأوقات و الإعتماد الكامل على حواسيب الذكاء الإصطناعى للقيام بدوره. لكن فائدة الشريحة فى كونها مستلهمة من مخ الإنسان، و ذلك للإرتقاء بأداء الحواسيب فى التعامل مع البيئة المحيطة بردود أفعال سريعة فى المواقف المختلفة و التى تقف أمامها الحواسيب العادية عاجزة و بطيئة. يمكن للحواسيب الثورية الجديدة مراقبة مياة البحار و المحيطات و قياس الحرارة و الضغط و إرتفاع الأمواج من خلال شبكة من المجسات و الآليات الميكانيكية، و بتحليل منطقى كامل للمعلومات فى وقت قياسى يتم تحديد إذا ما لزم إصدار تحذير بشأن إحتمال حدوث موجات تسونامى.

أما عن صلاحية المنتجات و السلع التى يستهلكها البشر فهى أيضا يمكن ان تكون محل إختبار و تدقيق عن طريق قفازات ذكاء إصطناعى ، تقوم بمراقبة الشكل الخارجى و الرائحة و الملمس و الحرارة للمنتج أو السلعة و إعطاء إشارة بصلاحيتها من عدمه، و هى المهمة التى يمكن للمخ البشرى ان يقوم بها بسهولة و سرعة ، فقط عندما تمسك بثمرة فاسدة فإنك تدرك ذلك مباشرة من خلال رائحتها أو ملمسها أو شكلها الخارجى و هذا هو ما نتمنى أن يفعله النظام الحاسوبى القائم على الشرائح الإدراكية.

تخيل إشارات مرور تراقب و تسجل المشاهد و تتنبأ بالحوادث أو مفاعلات نووية آمنة تقوم على أنظمة إدراكية تحلل المعلومات و تصنع القرارت الفاصلة التى تحد من كوارث نووية محققة.

حتى الآن تحققت أهداف المشروع القصيرة المدى وهى شريحة صغيرة الحجم ، و تستهلك قدر ضئيل من الطاقة و سريعة الأداء. إلا أن التوصل إلى نظام حاسوبى متكامل يشبه مخ الإنسان ما زال بعيد المنال و لكن تلك الشريحة الثورية هى القطرة التى تسبق الغيث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:1,2,3,4,5,6,7

الجمعة، 24 يونيو 2011

العالم عام 2100-الجزء الثالث و الأخير

تابع الجزء الأول و الثانى من هذا المقال

عام 2100 :حيث خرافات لا يصدقها عقل


بطريقة ما اذا إستطعت أن تزور أسلافنا القدماء لتريهم أعظم ما لدينا الآن من مخترعات و تقنيات حديثة، فبلا شك سوف يظنون أنك ساحر!بإستخدام سحر العلم تعرض عليهم الطائرات النفاثة التى تخترق السحاب و الصواريخ التى تزور القمر و الكواكب و أجهزة المسح بالرنين المغناطيسى التى ترينا ما بداخل الجسم الحى بكل سهولة و التليفون المحمول الذى يمكنك من الإتصال مع أى شخص على الكوكب . و قد يمسكون بك بتهمة الشعوذة إذا ما أريتهم أجهزة الحاسوب المحمول التى تبعث بالرسائل و الصور المتحركة عبر القارات لحظيا بضغة زر!

الآن عد إلى زمانك الحاضر حيث تعتبر تلك التقنيات شئ عادى فى حياتك اليومية، أتحداك أن تتخيل العالم عام 2100 ،إليك لمحة منه.فى 2100 سوف نتمكن من التحكم فى الأجسام بقوة العقل فقط و كأنك ساحرعن طريق شرائح منمنة تزرع فى المخ ،أما الحواسيب فيمكنها بسهولة قراءة ما يدور فى ذهنك و تنفذ لك أحلامك و أمنياتك ،و عدساتك اللاصقة سوف تتصل بقاعدة معلومات ضخمة لتستحضر الصور فى طرفة عين! . أما بإستخدام التكنولوجيا الحيوية و الطبية فسوف نجعل أجسامنا فى صحة تامة ، بإستخدام الطب الجزيئ سوف يتمكن الأطباء من إنتاج أى عضو من أعضاء جسم الإنسان بسهولة بالإضافة إلى تمكنهم من القضاء على الأمراض الوراثية، كما أن جسم الإنسان لن يعرف المرض و ذلك بفضل الملايين من أجهزة إستشعار الحمض النووى "دى إن إيه" و الجسيمات النانوية التى تسرى بصمت فى أنحاء الجسم على هيئة دوريات حماية تقوم بمسح كامل لتكتشف أى علامة مبكرة للمرض. بفضل التطور فى أبحاث الجينات سوف يتمكن العلماء من إبطاء عملية الشيخوخة و التقدم فى السن و ربما عكسها أيضا! مما يترتب عليه من إمتداد فترة حياة الإنسان لسنوات أطول.و بقوة تكنولوجيا النانو سوف تكون لنا المقدرة أن نحول شئ إلى أى شئ آخر و كأنه أت من لاشئ و ربما يكون لها الفضل فى صنع المصعد الفضائى الذى يحملك من الأرض لتقطع مئات الأميال فوق الغلاف الجوى بضغطة زر! سوف نمتطى مركبات ملساء تحلق فى السماء بذاتها و تعرف طريقها إعتمادا على تكنولوجيا الـ"جى بى إس "بدون وقود و تطفو فى الجو و كأنها مستلقية على وسائد هوائية! متكأة على مجالات كهرومغناطيسية غير مرئية. بتكنولوجيا المحركات سوف نمتلك طاقة النجوم الغير محدودة، و بتطويعها فى مركبات نجمية نستكشف بعض النجوم القريبة منا بإستخدام تقنيات الدفع الليزرى بدلا من تقنيات الدفع الكيميائى المكلفة. بينما نحن نتحدث هنا ، فإن تلك التقنيات تصنع و تطوع الآن فى المختبرات و المعامل حول العالم كل هذا و أكثر هو نقطة فى بحر واسع مما هو متوقع أن نراه بعد 100 عام، أطلعك على بعض منها أيضا على سبيل التشويق، الصواريخ المدفوعة بالمادة المضادة و الرؤية بأشعة إكس و الروبوتات التى تبدى المشاعر و تكن العواطف!!!.

لماذا لا تتحقق بعض التنبؤات المستقبلية؟


بعض التوقعات لعصر المعلوماتية لم تتحقق على الإطلاق، كمثال تنبأ بعض المستقبليين أن تكون مكاتب هذا العصر بلا اوراق! بفضل عصر الحاسوب لابد و ان يندثر الورق للأبد. فى الواقع حدث العكس تماما ، فى نظرة خاطفة إلى المكاتب نرى أن الأوراق متزايدة أكثر من زى قبل. توقع البعض أيضا "مدن بلا أناس"! رأى هؤلاء المستقبليون أن المقابلات و الاجتماعات عبر الإنترنت سوف تكون سمة العصر، و لن تكون هناك حاجة بعد الآن إلى الإجتماعات وجها لوجه. كما أن المدن ذاتها سوف تصبح خاوية لأن الناس لن يكونوا فى حاجة إلى الذهاب إلى مكاتبهم أو اعمالهم ، فالعمل من المنزل سيكون هو العادة. و بالمثل انتشار مفهوم "السياحة الإنترنتية"، فما على السائح إلا أن يستلقى على أريكة مريحة و يبدأ جولته حول العالم ليشاهد المعالم السياحية فقط عبر الإنترنت على جهاز الحاسوب الخاص به.أيضا عن طريق"التسوق الإنترنتى" فلتدع فأرة حاسوبك تقوم بالمشى عنك ، و فى هذه الحالة لابد أن تفلس مراكز التسوق لا محالة!أما "الطالب الإنترنتى" فيحضر دروسه عبر الإنترنت و الجامعات سوف تغلق أبوابها لعدم إلتحاق الطلبة بها!
إنظر إلى أى مصير انتهى التليفون المرئى الذى كان يعتبر قفزة فى تكنولوجيا الإتصال،فى عام 1964 أنفقت شركة AT & T نحو 100 مليون دولار من أجل تصميم شاشة تتصل بالتليفون لتمكنك من رؤية المتكلم على الطرف الثانى و العكس بالعكس ، إلا أن تلك الفكرة لم تلقى القبول المتوقع ،و بيع منه فقط 100 وحدة أى أن كل وحدة تكلفت مليون دولار و قد كانت تكلفة فادحة.
و أخيرا ذهبت التنبؤات إلى ان وسائل الإعلام و الترفيه المعروفة لابد و أن تندثر مثل التلفاز و السينما و المسرح و الراديو لكى يحل الإنترنت محلهم و بكل قوة ينتزع شعبيتهم و نراهم قريبا فى المتاحف!
فى الواقع ما حدث كان عكس كل التوقعات، الأزمات المرورية تزداد سوءا أكثر من زى قبل. يتوافد الناس على المواقع السياحية بأعداد غفيرة مما يجعل السياحة من أكبر من الصناعات المدرة للدخل فى العالم. المتسوقون يملأون المحال و المراكز التجارية حتى فى أحلك الحالات الإقتصادية. لم تغلق الجامعات ابوابها و يلتحق بها الطلاب بأرقام قياسية كل عام. للقول الحق، إتجاه الكثيرين إلى العمل من المنزل إلا أن المدن لم يختف سكنها داخل المنازل. من السهولة أن تجرى مقابلة او إجتماع على الإنترنت ، و لكن لا يشعر الكثيرون بالراحة أن يتم تصويرهم عبر الإنترنت مفضلين اللقاء وجها لوجه. كما أثر الانترنت على صناعة الإعلام و الترفيه إلا أن عملاقة الإعلام و الترفيه يجدون طريقهم من اجل تحقيق أرباحهم عن طريق الإنترنت، و مع ذلك لم يندثر التلفاز و لم تغلق السينما.

مبدأ رجل الكهف

لماذا لم تتحقق كثير من التنبؤات التى ذكرناها سابقا؟ يرفض الناس هذا التقدم و هو ما أسميه "مبدأ رجل الكهف".الدلائل الجينية و الأحفورية تشير إلى أن الإنسان القديم من أسلافنا يشبه الإنسان الحديث و لا يوجد دليل على أى إختلاف فى التركيب التشريحى للمخ أو الشخصية لكل منهما.الخلاصة هى أن أى تقنية فى طبيعاتها قد تتعارض مع رغبات أسلافنا، بالتبعية هى تتعارض مع رغباتنا الذاتية!! و كمثال بسيط على مبدأ رجل الكهف هذا ، إن رجل الكهف دائما ما يطلب "الدليل على القتل" لحيوان مثلا، فلا يكفى بالنسبة إليه التباهى بحيوان كبير بعدما فر! الحصول على هذا الحيوان بعد إصطياده حاضر بين يديه دوما أفضل من الإمساك بذيل ذلك الذى فر. بالمثل نحن دوما ما نريد نسخة ورقية عندما نتعامل مع الملفات ، فإننا بشكل غريزى لا نثق فى الإلكترونات التى تطفو فوق شاشات أجهزة الحواسيب الخاصة بنا، لذلك نطبع بريدنا الإلكترونى و التقارير حتى و لو لم يكون ذلك ضرورى ....لهذا لا يمكن أن يصبح المكتب بلا أوراق. كذلك فضل أسلافنا اللقاء وجها لوجه، فقد ساعدت تلك العادة على تكوين العلاقات الإنسانية و قراءة المشاعر الخفية.لذلك لا يمكن أن تتحقق "المدينة بلا أناس" ، مثلا عندما يرغب صاحب العمل أن يقيم الموظفين لديه فمن الصعب القيام بهذه المهمة عبر الإنترنت لكن يفضل أن يكون اللقاء وجها لوجه حتى يستطيع صاحب العمل أن يكون إنطباع داخلى و معلومات قيمة عن كل شخص من خلال لغة الجسد .مشاهدة الناس عن قرب يساعد فى تكوين روابط فيما بيننا و من خلال فهمنا للغة جسد كل شخص يمكننا أن نفهم ما يعتمل فى عقله و يدور فى ذهنه. لهذا تجد أسلافنا تعاملوا فيما بينهم بناءا على لغة الجسد للتعبير عن أفكارهم و مشاعرهم.
كذلك دوما أراد الإنسان القديم أن يرى الشئ حقيقة و لم يعتمد قط على أقوال الغير لأن هذا هو ما تحتمه عليهم غريزة البقاء فى الغابة بألا يعتمد على الشائعات بل على الدليل المادى القاطع.لذلك تجد المسارح لم تندثر برغم ظهور السينما و الإنترنت.
نحن نحدر من أسلاف كانوا عرضة للهجوم الدائم من الحيوانات الضارية أو من بعضهم البعض. لذلك نحن نحب المكوث أمام التلفاز لنشاهد آخرين لساعات طويلة و لكننا نصاب بإرتباك و عصبية حينما نشعر بأن آخرين يشاهدوننا و هو رد فعل غريزى تجاه شعورنا بأننا مراقبون.فى الحقيقة وجد العلماء أن مدة أربع دقائق كافية لتصيب شخص بالإرتباك أذا شعر أن شخص آخر غريب يحدق فيه، و بعد مرور 10 ثوان قد يتحول الامر إلى عدائية و غضب سريع لكونه عرضة للتحديق المستمر!هذا هو السبب وراء فشل التليفون المرئى الاول و لكننا و بعد أعوام طويلة بدأنا بشكل بطئ و بتحسن مؤلم محاولة الإعتياد على فكرة الإجتماع عبر الإنترنت.

سيف العلم

لقد شاهدت فيلم غير من نظرتى تجاه المستقبل إلى الأبد. و هو فيلم إسمه"الكوكب الممنوع Forbidden Planet" المأخوذ عن رواية لشكسبير و فيه مجموعة من رواد الفضاء تقابلوا مع حضارة قديمة تسبقنا بملايين السنين ، و قد وصل هؤلاء إلى منتهى اهدافهم التكنولوجية، القدرة الكاملة على التحكم فى كل شئ بإستخدام عقولهم فقط لا غير . أفكارهم كانت متصلة مع مفاعل نووى- حرارى مدفون فى أعماق كوكبهم يحول كل رغباتهم إلى حقيقة. نحن البشر سوف نمتلك تلك القوة و لكننا لن نحتاج إلى الإنتظار لملايين السنين بل أننا على بعد خطوات منها فقط فى غضون 100 عام، لكن هذا الفيلم أيضا كان ينطوى على حكمة لأن هذه الطاقة الجبارة اللا نهائية التى إمتلكتها تلك الحضارة إنقلبت عليها لتدمرها بأكملها. نعم بالفعل العلم سيف ذو حدين، يخلق مجموعة من المشاكل بينما يحل مجموعة أخرى منها.فهناك إتجاهين مضادين للعلم فى الوقت الحاضر: الإتجاه الأول الذى يسعى إلى حضارة علمية أنيقة لكن الإتجاة الثانى المضاد يقوم على التجاهل و الفوضى و هو ما يمزق مجتمعاتنا. ما زلنا نمتلك نفس المشاعر العدائية البدائية لأسلافنا الفارق أننا نمتلك اليوم الأسلحة النووية و الكيميائية و البيولوجية!
فى المستقبل سوف يصبح الإنسان هو المتحكم فى الطبيعة و ليس مجرد مشاهد عابر بل هو المحافظ عليها أيضا. لذا دعونا نأمل فى قدرتنا على السيطرة على سيف العلم بالحكمة و الإتزان.
إنطلق فى رحلة إفتراضية إلى المستقبل من خلال كتاب "فيزياء المستقبل Physics of The Future" كما رواها علماء يصنعون هذا المستقبل، سوف تشاهد خلال تلك الرحلة معالم التقدم العلمى فى المستقبل فى الحواسيب و الإتصالات و التكنولوجيا الحيوية و الذكاء الإصطناعى و النانو تكنولوجى ....التى سوف تغير مستقبل هذه الحضارة لا محالة.

و الآن عزيزى القارئ كيف ترى المستقبل؟ و كيف ترى التقنيات العلمية بعد 100 عام؟ أطلق لخيالك العنان و دون أفكارك و خيالاتك ليكتبها التاريخ فى صفحات كتابه فيتصفحها أحفاد أحفادك من البشر بعد 100 عام ليثبت عندها صحة توقعاتك أو خطأها!!

المصدر:1

السبت، 30 أبريل 2011

الزهرة السوداء فى عوالم الغرباء


الزهرة السوداء...إسم يصلح عنونا لرواية رومانسية ذات نهاية مأساوية أو إسم حركى لبطلة رواية بوليسية!! إلا أن وجود زهور سوداء أمر محتمل إذا ما إمتلكنا يوما شمسين بدلا من شمس واحدة!



بالطبع اللون الأسود ليس نتيجة إحتراقها كما قد يخيل للبعض!، أنما هو لون ينتج عن تكيف النباتات و الأشجار على الحياة فى بيئة لكوكب يدور فى نظام شمسى يتكون من نجمين و ليس نجما واحدا فقط.
فى دراسة فريدة من نوعها قدمها دكتور "جاك أومالى" مؤخرا فى إجتماع الجمعية الفلكية الملكية فى ويلز، يطرح دكتور أومالى عدة تساؤلات يحاول الإجابة عنها من خلال دراسته أولها:

"ما هو اللون المتوقع للحياة النباتية على كوكب يدور حول قزم أحمر ؟"

هذا القزم الأحمر ليس قزما بالمعنى الحرفى للكلمة بل هو نجم صغير تقل كتلته عن نصف كتلة الشمس ،كما أنه بارد نسبيا فدرجة حرارة سطحه لا تتجاوز 4000 درجة كلفن. أما عن سبب إختيار دكتور "أومالى" لقزم الأحمر ليكون محل دراسته فيرجع إلى كون مجرتنا درب التبانة تعج بهم! و معظم الكواكب التى يحتمل إمكانية وجود حياة على سطحها تدور حول نجوم من هذا النوع.بمحاكاة الحياة النباتية على كوكب يدور حول قزم أحمر وُجد أن لون النباتات لابد و أن يكون أسود أو رمادى على أقل تقدير، لكن لماذا؟ لنجيب على هذا السؤال دعونا اولا نجيب على تساؤل آخر...لماذا تبدو نباتاتنا الارضية باللون الأخضر؟ النباتات الأرضية تتغذى و تستمد طاقتها من ضوء الشمس الذى يتكون من طيف كامل من الألوان بداية من البنفسجى و إنتهاءا بالأحمر، من خلال عملية كيميائية معروفة بإسم "البناء الضوئى".


الطيف الضوئى

خلال عملية البناء الضوئى يسقط شعاع الضوء على ورق النبات، فيمتص منه الطيف الأحمر و البنفسجى و مابينهما فيما عدا اللون الأخضر الذى لا يمتصه إطلاقا إنما يعكسه من على سطح الورقة لتره أعيننا باللون الأخضر المعتاد. هناك عدة عوامل يتحدد على أساسها لون النبات أهمها نوعية الضوء الساقط عليه و كذلك ظروف البيئة المحيطة به من تربة و مناخ. ففى حالة نباتاتنا الأرضية ،بيئة نموها و ضوء الشمس بألوانه ما بين الأحمر و البنفسجى هما فقط ما يحتاجه النبات لكى يتغذى و ينمو أما اللون الأخضر فغير ضرورى لنموه لذلك هو يعكسه و لا يمتصه. اللون الأخضر بمفهومنا نحن البشر يختلف عن مفهومه بالنسبة إلى النبات ،فاللون الأخضر بالنسبة لنا ما هو إلا طريقة ترجمة من المخ البشرى لموجات لها طول معين تنعكس من على سطح النبات لتسقط على أعيننا. أما من وجه النظر الكيميائية للنبات فهو يحتاج إلى الموجات ذات طول موجى "معين" لكى تتم عملية "البناء الضوئى" أما الموجات الضوئية ذات الطول الموجى الخاص باللون الأخضر كما نراه ، يعكسها النبات لأنها لن تفيد فى عملياته الكيميائية الخاصة بالبناء الضوئى.بعض النباتات الأخرى قد تبدو بألوان مختلفة سوى الاخضر لأنها لا تستفيد من اللون الذى تبدو عليه فتعكسه و ذلك لإختلاف ظروف نموها و بيئتها عن تلك التى النباتات التى تظهر باللون الأخضر.


إذا عدنا مرة أخرى إلى الحياة النباتية على كوكب يدور فى نظام شمسى من الأقزام الحمر، نذكر أن القزم الأحمر نجم خافت الضوء أى أن جميع أشكال الحياة على كوكب يدور حوله قد لا يصلها نفس كم الضوء الذى يصلنا على كوكب الأرض من الشمس، لذلك فى حالة النبات قد تجده فى لهفة و تعطش ليمتص كل ألوان الطيف الممكنة بما فيها الأشعة تحت الحمراء و الفوق البنفسجية حتى يستفيد من كل شعاع ضوء حتى أخر فوتون فيه! لكى يتسنى له القيام بعملية "البناء الضوئى" و معنى أن يمتص النبات كل الضوء المرئى الساقط عليه إذا هو لا يعكس أى قدر منه لذا لابد و ان يبدو باللون الأسود ! و هنا تظهر قوة التطور البيولوجى الذى يجعل أشكال الحياة المختلفة بما فيها النباتات تتكيف مع البيئة المحيطة و الموارد المتاحة حتى تستطيع النجاة فى ظل الظروف القاسية التى تفرضها على الطبيعة.

إنتقل دكتور أومالى إلى تساؤل أخر و هو:

ماذا لو كان الكوكب يدور فى نظام شمسى يحتوى على نجمين متباينين أحدهما قزم أحمر و الأخر نجم أصفر مثل شمسنا ؟


فى الأنظمة الثنائية من نجمين "أصفر" و "قزم أحمر" قد يكونا إما فى حالة "إقتران" أى أنهما على مسافة قريبة من بعضهما البعض بحيث يقع كلاهما داخل المدار الخاص بالكوكب،


النجمان فى حالة الإقتران

أو يكونا فى حالة "تقابل" فيدور الكوكب بإنتظام حول أحدهما بينما يقطع مداره المسافة بينهما.

النجمان فى حالة التقابل

يدرس دكتور أومالى الإحتمالات العديدة تلك من خلال برنامج محاكاة ليدرس تأثير الأوضاع المختلفة للنجمين بالنسبة للكوكب على الكيفية التى يمكن أن يتصرف بها النبات و طريقة تكيفه مع تلك الأوضاع المتعددة. فقد يجد النبات نفسه مضطرا لكى يمتص الإشعاعات القادمة من نجمين فى آن واحد تارة، أو أن يتعايش مع ضوء نجم واحد بعد حرمانه من أحد النجوم التى تمده بالطاقة فى أحد مراحل حركته تارة أخرى أو قد يحرم من كليهما معا و يعيش فى ظلام دامس لبعض الوقت، و هو ما يرغمه على تطوير نظام ذاتى لديه للحصول على الطاقة اللازمة لحياته و يتكيف مع وضعه. و بناءا عليه قد نجد النبات متلون و متغير Technicolor لونه مثل الحرباء على حسب حاجته للضوء و وضعه الحالى بالنسبة لنجميه!

اذا كان النجمان فى حالة تقابل (فى الصورة) يتعرض الكوكب إلى ضوء النجمين بنسب متفاوتة على حسب قربه أو بعده عن كل منهما إلا انه فى مرحلة ما يصبح فى حالة إظلام حيث لا يطالع سمائه أى من النجمين. هذه الصدمات التى يتعرض لها النبات من وفرة غزيرة من الضوء ثم حرمان و تقطير منه ،قد يؤدى بالنبات إلى إبتكار أساليب غريبة لا تخطر لنا على بال، فمثلا قد يتحول النبات إلى هجين نباتى-حيوانى بمعنى أنه يتعايش فى "ثوبه" النباتى فى حالة تعرضه بشكل ملائم إلى الضوء للقيام بعملية بناءه الضوئى، لكن حالما يغيب نجمه ينزع عنه ثوبه النباتى و يتحول إلى الجزء الحيوانى منه لكى يتحرك و يبحث له عن مؤنه من الغذاء حتى سطوع نجمه مره أخرى أو ربما يجد طريقة ما ينتقل بواسطتها إلى النصف الأخر من الكوكب الذى يسطع عليه نجمه المحبب!!

لا تستنكر أو تستغرب عزيزى القارئ، فالحياة النباتية على الأرض قد تحمل نفس القدر من الغرابة أيضا


إنظر إلى تلك الورقة الطافية التى تصطنع قدرا من البراءة، حذارى ان تنخدع . هذه نوع من اليرقان البحرى الأخضر و تسمى eastern emerald Elysia ، تلك اليرقانة تتغذى على طحالب البحر الخضراء كأى حيوان بحرى يبحث عن قوت يومه ثم تعود فتستخدم "البلاستيدات الخضراء" الخاصة بالطحالب التى تغذت عليها سلفا (و هى الخلايا الأساسية فى أى نبات) لتساعدها فى القيام بعملية "البناء ضوئى" أى انها تتصرف ككائن بحرى و نبات فى آن واحد!!

قد يظن البعض أن دراسة دكتور أومالى درب من دروب الرفاهية ، إلا أنها دراسة غاية فى الذكاء و الأهمية. تنصب أبحاث العلماء فى الوقت الحالى على إيجاد الكواكب الشبيهه بالأرض و التى تدور فى مجموعات شمسية مجاورة داخل مجرتنا درب التبانة و قد وُجد منها المئات بالفعل. ما يحصل عليه العلماء هو مجموعة من الصورالتى تلتقطها التلسكوبات لتلك الكواكب و تحتوى هذه الصور على مجموعة من الأطياف اللونية التى قد يصعب تفسير ماهيتها لأن بيئتها تختلف عن بيئتنا الأرضية و كذلك ألوانها الطبيعية قد تكون مغايرة لما تعودنا عليه، لذلك بمحاكاة علمية كالتى قام بها دكتور أومالى ، يمكننا التعرف على طبيعة الكواكب المجاورة لنا بسهولة و قد نجد منها ما يصلح لحياة البشر.

المصادر:1،2،3

الجمعة، 22 أبريل 2011

العالم عام 2100- الجزء الثانى

تابع الجزء الأول من هنا

فى عام 1863 قدم الكاتب الرائع "جول فيرن" روايته التنبؤية "باريس فى القرن العشرين" و وضع فيها كل طاقاته الإبداعية لكى يتخيل القرن القادم.و نشرت الرواية عام 1994 أى بعد مرور 130 عام على كتابتها عندما وجدها حفيد فيرن مخبأه بعناية فى خزانة.



بعيدا فى عام 1863 حينما عاش فيرن ،كان الملوك و الأباطرة مازالوا يحكمون الإمبراطوريات الغابرة، و كانت الولايات المتحدة الأمريكية غارقة فى أتون الحروب الأهلية التى كانت تمزقها،و قوة البخار إكتشفت لتوها لتبدأ فى إحداث ثورة علمية عالمية. لكن فيرن تخيل ان باريس فى عام 1960 تمتلك ناطحات السحاب الزجاجية، مكيفات الهواء، التلفاز، المصاعد الكهربائية، القطارات الفائقة السرعة ، السيارات التى تعمل بالجازولين، أجهزة الفاكس و حتى شئ يشبه الإنترنت!! بدقة متناهية إستطاع فيرن أن يتخيل باريس الحديثة! هذا لم يكن شئ من الحظ، فبعدها بعدة أعوام قام فيرن بتنبؤ أخر مثير للدهشة.فى 1865 كتب فيرن روايته "من الأرض إلى القمر" ، التى تنبأ فيها بتفاصيل رحلة مهمة أبوللو إلى القمر بعد نشر الرواية بأكثر من 100 عام فى 1969 .إستطاع التكهن بحجم الكبسولة الفضائية بنسبة ضئيلة من الخطأ كما تكهن بموقع إطلاقها بالقرب من فلوريدا و عدد رواد الفضاء فى الرحلة و عدد الساعات التى سوف تستغرقها، أيضا توقع إنعدام الجاذبية الذى سوف يتعرض له الرواد كذلك نهاية الرحلة بإرتطام الكبسولة فى المحيط. الخطأ التنبؤى الوحيد الذى وقع فيه فيرن هو إستخدامه للبارود بدلا من وقود الصواريخ السائل ليأخذ الرواد فى رحلة من الأرض إلى القمر، إلا أن الوقود السائل لم يكن ليخترع قبل 70 سنة من تاريخ كتابة الرواية!


كيف إستطاع فيرن أن يتخيل أحداث 100 عام فى المستقبل بهذه الدقة؟ فيرن لم يكن عالما بشخصه، و لكنه سعى وراء العلماء و امطرهم بأسئلته عن رؤيتهم للمستقبل.و كون لديه قاعدة بيانات كاملة بكل الإنجازات العلمية و المخترعات الخاصة بعصره. أدرك فيرن علاوة على أى شخص آخر ان العلم هو المحرك للحضارة التى يدفعها إلى قرن جديد من المعجزات و الأعاجيب.

ليوناردو دافنشى الرسام و المفكر،متنبئ آخر بتكنولوجيا المستقبل.فى أواخر عام 1400 رسم دافنشى مخططات جميلة و دقيقة لأجهزة سوف تملأ السماء يوما ما . مناطيد و طائرات مروحية و حتى الطائرات الهوائية! لكن مخططاته كان ينقصها مكون بسيط...موتور بقوة 1 حصان ، و هو شئ لم يكن متاح حتى بعد 400 عام من عصره.
و مثلما فعل فيرن كان دافنشى أيضا يستشير العقول المفكرة آنذاك،و كان محاطاً بدائرة من مبدعي هذا العصر. أجرى التجارب و قام بالبناء و رسم النماذج الأولية ،كانت تلك طريقة دافنشى لكى يترجم أفكاره إلى حقيقة و التى يجب أن يتبعها من هم مثله.


نموذج للمنطاد كما تخيله دافنشى


نموذج للمروحية كما تخيله دافنشى


نموذج الطائرة الهوائية كما تخيله دافنشى

بعد أن رأينا هذا الكم الهائل من التوقعات و التنبؤات التى أطلعها فيرن و دافنشى إلى العالم، هل من الممكن أن نتنبأ بالعالم فى عام 2100؟ و على عادة فيرن و دافنشى، يقوم كتاب"فيزياء المستقبل" بإلقاء نظرة عن قرب إلى عصارة أفكار علماء نابغين يبنون نماذجهم الأولية من تقنياتهم التى سوف تغير مستقبلنا. هذا الكتاب ليس درب من الخيال الجامح بل هو مبنى على علم قاطع مستقى من المختبرات الكبرى حول العالم. التنبؤ بالعالم عام 2100 مهمة شاقة للغاية،خاصة أن عجلة مكتشفات هذا العصر متسارعة على الدوام، و المعارف العلمية التى تراكمت فوق بعضها البعض فقط فى العقود القليلة الماضية أكبر بكثير من تلك المتراكمة على مر التاريخ الإنسانى كله و بحلول عام 2100 سوف تصبح تلك المعارف أضعافاً مضاعفة.

أفضل طريقة لكى نتخيل مدى صعوبة التنبؤ بـ 100 فى المستقبل علينا أن نتذكر كيف كانت حياة أجدادنا عام 1900.بعيدا فى عام 1900 لم يكن هناك وجود للراديو و لم تعرف الأفلام و لم يستخدم الفلاحون الجرارت يوما أما السيارات فكانت مخترعة للتو و كان يطلق عليها آنذاك "عربة مقطورة بلا حصان"! لكى نفهم مدى صعوبة ذلك التنبؤ فيجب أن نقدر صعوبة ذلك على من عاشوا فى عام 1900 لكى يتنبئوا بما يمكن أن يكون عليه المستقبل فى عام 2000 .فى شيكاجو عام 1893 تم إختيار 74 من الأشخاص المعروفين جيدا بين الناس و طُلب منهم التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه المستقبل بعد 100 عام . المشكلة أنهم دوما ما إستخفوا فى توقعاتهم بمعدل التقدم العلمى، كمثال على ذلك كثير منهم توقع بشكل صحيح أن يوم ما سوف يصبح لدينا طائرات ركاب ضخمة عابرة للمحيطات إلا أنهم تنبئوا بأنها سوف تكون مناطيد! رأى السيناتور"جون انجيلز" أن كل شخص سوف يمتلك منطاده الخاص، و لم يخطر بباله قط بزوغ فكرة السيارات. أيضا أقر الجنرال "جون واناميكر" أن وسيلة توصيل البريد الأمريكى سوف تظل على ظهور الأحصنة حتى بعد 100 سنة فى المستقبل!


هذا الإستخفاف الغير متعمد بقوة العلم و الإبداع إمتد إلى مكتب تسجيل براءات الإختراع، فى عام 1899 أقر المسئول عن المكتب "تشارلز دويل" أن كل ما يمكن أن يخترع قد إخترع بالفعل !حتى بعض الخبراء فى تخصصاتهم إستخفوا بما يمكن أن يحدث تحت أنوفهم! فى عام 1927 ، "هارى وارنر" و هو أحد مؤسسى "Warner Brothers" أكبر شركات الإنتاج الإعلامى الهوليوودية بداية من عصر الأفلام الصامتة سأل وارنر يوما بإستخفاف:من يريد فعلا أن يسمع الممثلين يتحدثوا؟ كانت جريدة جريدة نيويورك تايمز هى الأخرى باخسة لقدر التقدم العلمى، فى 1903 أقرت الجريدة بأن الآلات الطائرة ما هى إلا مضيعة للوقت ، و ذلك قبل أسبوع فقط من نجاح الأخوان رايت فى الطيران بشمال كارولينا! أما فى 1920 ، أنتقدت نيويورك تايمز محاولات "روبرت جودارد" عالم الصواريخ بشدة و رأت انها ليست ذات معنى ،لأن الصواريخ لا تستطيع الحركة فى الفراغ!بعد 49 عام من هذا النقد اللاذع، نشرت نيويورك تايمز إعتذارها الرسمى عن هذا الخطأ فمن الواضح أن الصواريخ يمكنها الحركة فى الفراغ و إلا ما أستطاعت رحلة أبوللو الهبوط على سطح القمر!

اعتذار جريدة نيويورك تايمز

حتى أننا نستطيع أن نتبين بخس كتاب الخيال العلمى لقدر الإكتشافات العلمية.عندما تشاهد حلقات السلسلة التليفزيونية الشهيرة ستار تريك"Star Trek" فى بداياتها عام 1960 ، تلاحظ أن معظم تكنولوجيا القرن الـ32 الذى كانت تدور فيه أحداث السلسلة،هى تكنولوجيا موجودة لدينا بالفعل! كان المشاهدون آنذاك لهم حق الدهشة لرؤية التليفون المحمول و الكمبيوترالمحمول أيضا و الاجهزة التى يمكنها أن تتحدث...و لكن اذا شاهدتها الآن فلن تتملكك الدهشة على الإطلاق.

فهم قوانين الطبيعة


لكى نتفادى كل تلك الأخطاء السابقة فى التوقعات المستقبلية، لابد و أن نسأل ما هى القواعد العلمية التى ترتكز عليها التنبؤ بتكنولوجيا المستقبل؟
نحن الآن نمتلك ميزة لم يمتلكها فيرن أو دافنشى آنذاك، و هى اننا نقف على قاعدة علمية و فهم واثق للقوانين التى تحكم الطبيعة.دوما ما تكون التنبؤات معطوبة، و لكنها لن تكون كذلك إذا استطعت ان تفهم القوانين الأربعة المحركة للكون كله. كل مرة فهم فيها الإنسان أحد تلك القوانين الأربعة ، تغيرعلى إثره تاريخ البشرية جمعاء.
القوة الأولى التى شُرحت هى "قوة الجاذبية" ، فقد أعطانا نيوتن مجموعة من القوانين الميكانيكية التى تحكم حركة أى جسم نتيجة تأثير قوة ما عليه . وهو ما ساعد بالتبعية فى شق الطريق إلى الثورة الصناعية و تفعيل قوة البخار.
أما القوة الثانية التى تمكن الإنسان من فهمها هى"القوة الكهرومغناطيسية"، التى تنير المدن و الأجهزة الكهربائية بالطاقة.عندما تكاتفت جهود كل من توماس أديسون و مايكل فاراداى و جيمس ماكسويل و آخرين لشرح الكهربية و المغناطيسية، أشعلوا الثورة الإلكترونية التى خلقت كم لا بأس به من المخترعات العلمية. يمكننا أن نشعر بذلك فى كل مرة تنقطع فيها الكهرباء،و كأننا فجأة عدنا بالزمن 100 سنة إلى الوراء!

القوى الثالثة و الرابعة هما القوتين النوويتين، القوة النووية الضعيفة و القوة النووية القوية.حينما تفتق ذهن أينشتين عن معادلته السحرية E=MC^2 و عندما إنشطرت الذرة عام 1930 ،بدأ العلماء فى فهم القوى التى تنير السماء. إنكشف الستار عن سر النجوم ، ليس ذلك فحسب بل فجرت قوة الأسلحة الذرية، و أعطت آمالا واعدة بإمكانية تطويع هذه الطاقة على الأرض.

لدينا اليوم معرفة لا بأس بها عن هذه القوى الأربعة ، القوة الأولى الجاذبية تشرحها النظرية النسبية العامة لآينشتين، أما القوى الثلاثة الأخرى فقد شرحتها نظرية الكم و التى سمحت لنا بفك شفرة عالم الذرة. و كان نتاج تلك النظرية إختراع الترانزيستور و الليزر و الثورة الرقمية التى تمثل المجتمع الحديث الآن، كما أستخدم العلماء قوة نظرية الكم لكشف أسرار جزئ الحمض النووى DNA. سرعة إنجازات التكنولوجيا الحيوية و الطبية راجعة إلى تكنولوجيا الحواسيب، لأن قراءة جزئ الـ DNA تتم بإستخدام اللآلات و الروبوتات و الحواسيب.
و بناءا على ذلك فإننا نستطيع أن نرى بشكل أفضل إلى أين يتجه علم و تقنية المستقبل خلال القرن القادم.بالطبع سوف ما يكون دوما هناك إبداعات و مخترعات غير متوقعة و لم تخطر لنا ببال و لكننا على الأقل لا نتوقع فى المستقبل القريب أى تغيير فى المعارف الأساسية التى تقود للمستقبل، لذلك نستطيع القول بشئ من الثقة إمكانية وضع الخطوط العريضة التى تحدد معالم المستقبل فى عام 2100 ، لأن كتاب"فيزياء المستقبل" قائم على مقابلات مع 300 من العلماء تخرج من تحت أيديهم المخترعات و المكتشافات، التى بنيت نماذجها الأولية بالفعل كما أنها قائمة على القوانين الأربعة التى تحكم الكون،أى انها ليست محض خيال خصب.

يتبع

الاثنين، 18 أبريل 2011

العالم عام 2100 -الجزء الأول

أضع بين أيديكم اليوم ، مقدمة أكثر من رائعة لكتاب يفوق الوصف "فيزياء المستقبل" . هذا الكتاب الذى كان احد أحلام كاتبه دكتور "ميتشيو كاكو" الملقب بخليفة أينشتين و مؤسس نظرية "الأوتار الفائقة"...لن أتحدث طويلا سوف ننطلق الآن على لسان د.كاكو ليقدم لنا كتابه الرائع، سوف نسافر من خلال المقدمة فى رحلة عبر الأزمان من الماضى السحيق لنعود إلى حاضرنا اليومى فننطلق منه لعالم المستقبل المبهر فتثبتوا فى مقاعدكم لكى تبدأ الرحلة.



مررت فى صغرى بتجربتين ، ساعدتا لأكون الشخص الذى أنا عليه اليوم ، و ولدتا لدى شغفين شكلا حياتى بالكامل.أولهما عندما كنت صغيرا فى سن الثامنة من العمر، نقل لنا المعلمون أخر الأخبار عن عالم كبير قد توفى لتوه.فى تلك الليلة نشرت الصحف صور ملتقطة لحجرة مكتبه، و يوجد على سطحه مخطوطة كتابية غير كاملة لآخر أعماله، أما التعليق على الصورة فقد كان "أعظم علماء هذا العصر لم يستطع إكمال آخر مخطوطاته". ما سألته لنفسى فى حينها :هل ذلك الشئ من الصعوبة حتى أن هذا العالم العظيم لم يستطيع إكماله إلى نهايته؟ ماذا يكون هذا الشئ المعقد و الهام فى آن واحد؟ من وجهة نظرى أصبح هذا الشئ أكثر تشويقا من غموض جرائم القتل و أشعل فضولى أكثر من قصص المغامرات.


كان لابد أن أعلم محتوى هذه المخطوطة الغير مكتملة.لقد إكتشفت لاحقا أن اسم ذلك العالم كان"ألبرت أينشتين" أما عن مخطوطته الغير مكتملة فقد كانت محاولاته لإبداع نظرية جديدة ...."نظرية كل شئ" ، فى الغالب هى معادلة بسيطة طولها بوصة واحدة فقط لا غير و لكنها المفتاح لحل شفرة أسرار الكون.

مخطوطات أينشتين الغير مكتملة

أما عن التجربة الثانية التى مررت بها كانت عندما شاهدت البرنامج التلفزيونى " فلاش جوردن"، كل أسبوع كانت أنفى تلتصق بشاشة التلفاز التى كانت تنقلنى بشكل سحرى إلى عالم غامض من كائنات الفضاء ،الوحوش ، المركبات الفضائية النجمية ، معارك المسدسات الشعاعية و المدن تحت الماء. كان هذا أول إحتكاك لى مع عالم المستقبل. لكن بعد مشاهدتى لكل حلقات البرنامج ،بدأت أكتشف أنه على الرغم من أن "فلاش"(بطل البرنامج) هو من كان يحظى بكل الجوائز ، إلا أن العالم "د.زركوف" هو من جعل هذا البرنامج ينجح.هو من إخترع المركبات الصاروخية، الدرع الخفى، مولد الطاقة للمدينة فى السماء....إلى آخره.البطل الوسيم هو من ينال تقدير المجتمع لكن المخترعات المستقبلية المبهرة وراؤها علماء مجهولون لم يتغنى أحد بهم.

فلاش و د.زركوف

لاحقا عندما كنت أدرس فى المرحلة الثانوية، قررت أن أتبع خطوات هؤلاء العلماء و وضعت بعض مما تعلمت تحت الإختبار.تمنيت أن أصبح جزء من هذه الثورة التى علمت أنها سوف تغير العالم.أردت صنع "ساحق للذرات"، فذهبت لأحصل على إذن من أمى لبناء مسرع جزيئات بقوة 2.3 مليون إلكترون فولت فى جراج المنزل! كانت مدهوشة بعض الشئ إلا أنها وافقت فى النهاية.ثم ذهبت لكى أشترى إحتياجاتى من 400 رطل من صلب المحولات و 22 ميل من أسلاك النحاس و قمت بتجميع المسرع فى جراج أمى!فقد كان هدفى أن أولد شعاع من المادة المضادة.الملفات المغناطيسية لساحق الذرات نجحت فى توليد مجال مغناطيسى بقيمة 10000 جاوس و هى حاولى 2000 مرة أكبر من المجال المغناطيسى للأرض و كذلك كافية لكى تنتزع مطرقة حديدية من يدك بسهولة).عندما كنت أقوم بتشغيل الألة كانت تسحب طاقة بمقدار 6 كيلو وات و هو كل التيار الذى تستطيع مولدات المنزل أن تقدمه. و كلما شغلت الألة كانت تفجر المنصهرات Fuses (مؤكد أن أمى المسكينة تساءلت لماذا لم تنجب طفل يهوى لعب كرة القدم بدلا من ذلك).

بذلك أصبح لدى شغفين:الرغبة فى فهم كل القواعد الفيزيائية للكون فى نظرية وحيدة متجانسة و الرغبة فى رؤية المستقبل.فى نهاية المطاف أدركت أن هاتين الرغبتين تكمل كل منهما الأخرى.لأن المفتاح لفهم المستقبل هو بإدراك قوانين الأساسية للطبيعة و تطبيقها على الآلات و المخترعات و الوسائل العلاجية التى سوف تؤدى بحضارتنا بعيدا إلى المستقبل.


لقد وجدت الكثير من المحاولات المفيدة و العميقة التى تستهدف التنبؤ بالمستقبل. و لكنها أتت من مؤرخين و علماء الإجتماع و كتاب الخيال العلمى و المستقبليين ، و هؤلاء دخلاء يحاولون التنبؤ بالمستقبل بدون معرفة بالعلم نفسه. أما العلماء فهم المطلعون الذين يمتلكون المقدرة على صنع المستقبل فى معاملهم و منشغلين تماما فى القيام بإختراقات علمية جديدة على أن يجدوا الوقت لنشر كتاب عن المستقبل للجمهور العام.لذلك يعتبر كتاب "فيزياء المستقبل" مختلف عن غيره من الكتب .أتمنى أن يعطى هذا الكتاب وجهة نظر تعمقية فى المكتشفات الإعجازية التى تنتظرنا فى المستقبل و يعطى نظرة مثبتة على العالم فى عام 2100.
بالطبع فإن التنبؤ بالمستقبل بدقة كاملة غير ممكن. الطريق الوحيد المتاح لفعل ذلك، بأن تدخل إلى عقول العلماء المنغمسين فى عمق الأبحاث و هم وحدهم القادرين على صنع المستقبل.هؤلاء هم من يصنعون المبتكرات و الأجهزة و الوسائل العلاجية التى سوف تحدث ثورة حضارية.و هذا الكتاب هو قصتهم، كانت لدى الفرصة لكى أحظى بلقاء مع 300 من أفضل علماء و المفكرين فى العالم فى محطات التليفزيون و الإذاعة القومية، كذلك إصطحبت فرق التصوير التلفزيونية إلى معاملهم لتصوير النماذج الأولية لمخترعاتهم التى سوف تغير مستقبلنا.
معظم التنبؤات التى أتى بها هذا الكتاب مدرج لها جدول زمنى، لتعطى الكتاب درجة عالية من الدقة إعتمادا على حكمة و بعد نظر العديد من العلماء الذين إلتقيت بهم.يعطى الكتاب نظرة للمستقبل فيناقش التقنيات التى فى طريقها إلى النور خلال المائة سنة القادمة، فترسم مسار السباق الإنسانى و تحدد مصير البشرية جمعاء.

يتبع

المصدر:1

الجمعة، 18 مارس 2011

ماذا حدث حقاً فى اليابان؟

طالعتنا أخبار مأساة اليابان صباح يوم الجمعة 11 مارس 2011 ،بدأت بزلزال مدمر بقوة تصل إلى 8.9 على مقياس ريختر ، تبعته موجات تسونامى غادرة بإرتفاع زهاء 10 أمتار مع هزات إرتدادية زادت عن الـ 160 هزة، وصل أكبرها قوةً إلى 7.1 بمقياس ريختر و أخيرا و ليس آخرا كارثة نووية محتملة قد تقضى على مستقبل اليابان و تهدد العالم بأسره نتيجة إنفجار مفاعلاتها النووية واحدا تلو الآخر فى فوكوشيما. تتابع الأحداث فى اليابان يدعونا لنتمهل قليلا لكى نستوعب تلك الأحداث المتسارعة .


اليابان بعد الكارثة


كان يوم الجمعة 11 مارس 2011 مجرد يوم تقليدى فى حياة الشعب اليابانى ، كل فرد مشغول بأعماله اليومية، فذلك موظف يقوم بأعماله المكتبية ، و تلك سيدة تقوم بالتسوق من أجل تحضير وجبة الغداء. لكن لم تكتمل أحداث اليوم بالتسلسل الطبيعى المعتاد، فقد إنقطع هذا التسلسل بغتة فى تمام الساعة الثالثة إلا ربع عصراً بالتوقيت المحلى لليابان عندما إرتجت الأرض بشكل مخيف منذر بجحيم لم يكن فى الحسبان، ناطحات السحاب تتراقص و الأسقف تنهار و الصرخات الملتاعة هنا و هناك إستمرت لمدة دقيقتين كاملتين بدت كالدهر لمن عاشها. قطعت المحطة التليفزيونية القومية NHK بث جدولها اليومى بشكل مفاجئ لتعلن النبأ على المواطنين اليابانيين.ضرب زلزال قوته 8.9 ريختر فى قلب المحيط الهادى على بعد 8 ميل قبالة سواحل مدينة سنداى اليابانية شمالى طوكيوعلى عمق 15 ميل تحت سطح الأرض.

إذا إنتقلنا بالمشهد إلى قلب المحيط الهادى فى لحظة وقوع الحدث تماما، لرأينا الصفيحة التكتونية التى يرقد عليها المحيط الهادى تنزلق بغتة أسفل الصفيحة التكتونية التى تحمل اليابان!! و لكى نتعرف على ماهية الصفائح التكتونية بشكل أفضل، لنا ان نتخيل قشرة الأرض و هى الطبقة الصلبة التى تغطى الأرض، و قد قُسمت إلى أجزاء عدة مثل قطع الأحجية (البازل Puzzle) فإذا ما تم تجميعها سوية لتكونت لنا القشرة الكروية للأرض، و كل قطعة منفردة من قطع البازل تمثل صفيحة تكتونية.



تتموضع اليابان على حافة 3 صفائح تكتونية و هى صفيحة أمريكا الشمالية التى ترقد عليها اليابان فعليا و بالقرب من حافتها، حيث تلتقى مع صفيحتين أخريين و هما صفيحة الفلبين و الصفيحة الباسيفيكية (صفيحة المحيط الهادى).



و كما ذكرنا فإن الصفيحتين المسئولتين عن الكارثة هما الأمريكية و الباسيفيكية، و هاتان فى حركة دائمة، تنزلق الباسيفيكية أسفل الأمريكية بمعدل 5 سنتيمتر كل عام ،و لكن بما أنهما فى حركة دائمة لما سببا تلك الضجة المفاجأة و أحدثا دمارا شاملا؟
تنزلق الباسيفيكية ببطئ إلى اسفل و مع إنزلاقها تسبب ضغط قهرى على الأمريكية لحدوث نوع من الإلتصاق ما بين الحافة السفلى للأمريكية مع الباسيفيكية فتسحبها معها لأسفل ، و مع زيادة الضغط تبدأ الأمريكية فى الإنبعاج ببطئ و فى لحظة ما ينفك هذا الإلتصاق و تنفلت الأمريكية من الباسيفيكية لترتد عدة أمتار لأعلى و مع هذا الإنفلات تنطلق الطاقة المختزنة الناجمة عن الضغط على صفيحة أمريكا الشمالية فى مياة المحيط لتولد موجات مدمرة معروفة بإسم"موجات تسونامى".








لم يلبث الشعب اليابانى يلتقط أنفاسه إثر صدمة الزلزال المدمر، حتى يفاجأ بموجات تسونامى عاتية إرتفاعها 10 أمتار تأتى على الأخضر و اليابس و تجرف المنازل و السيارات....و البشر أنفسهم.أحد الخصائص المدمرة لتسونامى أنها قد تبدو موجات عادية جدا متولدة وسط المحيط و قد لا تلاحظ بالمراقبة العادية و لا تثير أدنى الشك لأن إرتفاعها يكون منخفض و سرعتها تساوى سرعة طائرات الركاب!! ، و لكنها حالما تقترب من اليابسة تنخفض سرعتها و يزداد إرتفاعها بشكل مخيف لتكتسح كل ما يعترض طريقها و كما حدث فى اليابان إرتفع حائط الموجات إلى 10 أمتار لتكتسح مسافة تقارب 10 كيلومتر من اليابسة.



خرافة القمر و كارثة اليابان

ذهبت بعض التفسيرات إلى أن كارثة اليابان قد سببها القمر..أو بمعنى أدق "القمر الأعظم"! يعتقد الناس أن القمر هو ما سبب تلك الكارثة لأنه كان فى مرحلة "الأوج القمرى" و هى احدى حالات القمر عندها يكون أكبر من حجمه الطبيعى! يتحرك القمر حول الأرض فى مدار بيضاوى أى أنه يقترب من الأرض تارة و يبتعد عنها تارة أخرى أثناء رحلة دورانه حول الأرض.



يكون القمر فى أقرب مسافة من الأرض على بعد 354,000 كيلومتر و يسمى "الأوج القمرى" و عندها يبدو القمر أكبر، و فى أبعد مسافة من الأرض يكون على بعد 410,000 كيلومتر و يعرف بـ"الحضيض القمرى" و عندها يبدو القمر أصغر.



و بما إن القمر يتم دورته حول الأرض فى مدة شهر تقريبا ، فإنه سوف ينتقل بين "أوجه" و "حضيضه" كل أسبوعين تقريبا. بالطبع فإن المجال الجذبى للقمر تتغير قوته على حسب بعده من الأرض و عندما يكون فى "أوجه" يصبح تأثير جاذبيته أكثر قوة.
ذهب الناس فى هذا الإعتقاد إلى الظاهرة الطبيعية الأرضية التى تكون جاذبية القمر المسئولة عنها و هى ظاهرة "المد و الجزر" التى تتسبب فى إرتفاع منسوب مياة البحار و المحيطات أو إنخفاضها على حسب وضع القمر بالنسبة للأرض.فعندما يسطع القمر فوق جزء من الأرض مباشرة فإن تلك المنطقة من الأرض ترتفع بنحو متر تقريبا كما يرتفع منسوب المياه نتيجة سحب جاذبية القمر لها و هنا يحدث "المد" فتغمر المياه مناطق أكثر من اليابسة، و العكس تماما يحدث فى ذات الوقت فى المناطق الأخرى التى لم يسطع عليها القمر بعد، فينحفض منسوب المياه لديها و تنحسر كاشفة مناطق أكبر من اليابسة و هو ما يسمى بـ"الجزر".

المد و الجزر

أما إذا وقع القمر و الشمس و الأرض على خط واحد أى أن القمر محاق أو بدر ،حينها يمكن أن يصل المد إلى أقصاه لأن البحار و المحيطات تتعرض للتأثير الجذبى للقمر و الشمس فى آن واحد فيصل منسوبهم إلى أعلى إرتفاع. و هنا يتساءل المتسائلون : ماذا إذا كان القمر فى "الأوج القمرى" فى مثل هذه الحالة؟لابد و أن التأثير سوف يكون أعظم و ربما يكون قد تسبب فى كارثة اليابان!
إذا نظرنا إلى التاريخ المتوقع لحدوث الأوج القمرى القادم ، نجد أنه سوف يقع فى يوم 19 مارس القادم و فى حالة يكون عندها القمر بدرا مكتملاً . إذن فإن القمر لم يكن فى "أوجه" يوم الحادى عشر من مارس كما لم يكن "بدرا" أيضا، و بذلك نبرئ القمر من تهمة كارثة اليابان. و حتى عندما يكون القمر بدرا و فى "أوجه"، لا يتوقع أن يتسبب فى موجات تسونامى أو زلازل، ربما يصبح تأثيره الجذبى أكبر على إرتفاع منسوب البحار و المحيطات بنسبة تصل إلى 50% و لكنه مازال ضعيفا للغاية بالمقارنة بكوارث تسونامى.

إنحراف محور الأرض



يعتبر زلزال اليابان هو الأقوى على الإطلاق فى تاريخها كله و يحتل المركز السادس فى تاريخ الزلازل الأكثر قوة منذ بداية تسجيلها عبر التاريخ. و لهذه القوة عاقبتها محليا على اليابان و عالميا على كوكب الأرض ككل.نشر المعهد الإيطالى الجيوفيزيقى دراسة تثبت إزاحة محور الأرض لمسافة 10 سنتيمتر إثر زلزال اليابان! المحور المقصود هنا ليس هو المحور الذى تدور حوله الأرض كل 24 ساعة إنما هو محور أخر إسمه "محور فيجر Figure Axis" ، هذا المحور هو الذى تتزن حوله كتلة الأرض بكل محتوياتها. مثل كل الأجسام التى تمتلك محور إتزان فجسمك مثلا محور إتزانه يمر بمنتصف جسمك تماما و ذلك لتوزع كتلته بالتساوى على جانبى هذا المحور و لهذا عندما تقف على قدميك تكون متزنا لأن محورك عمودى على سطح الأرض و الأرض شأنها شأن كل الأجسام تمتلك محور إتزان تتوزع حوله قاراتها و محيطاتها بالتساوى. و ما حدث بفعل الزلزال أعاد توزيع تلك الكتلة بقدر ضئيل تغير على إثره موقع المحور.الحدث الأبرز المصاحب لإزاحة محور الأرض هو قصر فترة اليوم الشمسى! يمكننا بقليل من التخمين أن نتوصل إلى حقيقة أن الأرض قد زادت من سرعة دورانها قليلا و بما أنها أصبحت أسرع فإنها تنهى دورتها الكاملة حول نفسها فى وقت أقل مما ينعكس بالضرورة على قصر مدة اليوم.

عند سماع الناس لخبر إزاحة محور الأرض فإنهم يصابون بالذعر و يتخيلون أن نهاية الأرض قد أصبحت وشيكة! لكننا نطمئن هؤلاء...فتأثير هذا الإنحراف بالكاد سوف نلحظ تأثيره على فترات الليل و النهار فمع هذا الإنحراف الجديد سوف يصبح اليوم أقصر بمدة تقدر بجزء ضئيل من الثانية! و هو ليس بالقدر الكبير الذى يؤرقنا. هذا الإنحراف أيضا قد يؤثر على نظام تحديد المواقع العالمى GPS و الذى يجب إعادة معايرته لكى يتماشى مع المتغيرات الناجمة عن إنحراف محور الأرض و كذلك عن إزاحة اليابان بمسافة تقدر بـ2.4 متر تقريبا عن موقعها الأصلى بفعل الزلزال!

ما حدث من زيادة لسرعة الأرض و قصر لفترة اليوم هو نتيجة منطقية للغاية بعد حدث بهذا القوة، فإن إنزلاق صفيحة أمريكا الشمالية تحت الصفيحة الباسيفيكية أدى إلى "إنكماش" لكوكب الأرض و مع هذا الإنكماش زادت السرعة قليلا. تعرف هذه الظاهرة بإسم "تأثير المتزحلق على الجليد". نرى المتزحلق على الجليد فى عروضه الممتعة يدور حول نفسه فاردا ذراعيه من حوله ثم يضم ذراعيه إلى جانبيه فتزداد سرعة دورانه بشدة لأنه أحدث نوع من "الإنكماش" لجسمه فتزايدت سرعته بالتبعية، و هذا هو ما حدث فعليا للأرض فمع إنكماش قشرة الأرض للداخل زادت سرعة دورانها.
يمكنك مشاهدة تأثير المتزحلق على الجليد فى هذا الفيديو:



تتوالى أحداث اليابان مع كل لحظة تمر، و بخاصة إنفجارات المفاعلات النووية التى تضع العالم على أعتاب كارثة محققة نستطيع أن نتكهن بنتائجها و لهذا موضوع آخر.

المصادر:
1,2,3,4,5

الأحد، 20 فبراير 2011

واطسون عملاق الذكاء الإصطناعى:كمبيوتر خارق يتحدى الإنسان!!


منذ زمن بعيد نترقب اليوم الذى تقوم فيه الآلات بعمل الإنسان، كالروبوتات التى تحل محله "عضليا" فتقوم بأداء الأعمال الشاقة و المرهقة عنه. و لكن لم نتخيل أن تحل الآلة محل الإنسان "ذهنيا"...فتقوم بالتفكير و الإستنتاج و التحليل عنه. و ربما يأتى اليوم الذى تحتل فيه الآلات الأرض و يكون الكمبيوتر هو العقل المدبر و تتحقق نبوءة فيلم I,Robot !


فيكى الكمبيوتر الخارق- من فيلم I,Robot

"واطسون Watson" الكمبيوتر الخارق، عبر حاجز المستحيلات و تفوق على نظيره البشرى فى مسابقة عالمية ، تعد من أصعب المسابقات و أشهرها فأثبت جدارته متصدرا بذلك جيلا جديدا من الحواسيب الآلية الذكية.


وجه واطسون

واطسون هو نتاج 4 سنوات من العمل الشاق أنجزه فريق من مهندسى شركة IBM بقيادة د.ديفيد فيروتشى. واطسون ليس بحاسب آلى عادى فهو مصمم لفهم اللغة البشرية و تحليلها و منطقتها و إعطاء رد الفعل المناسب و هو بذلك يتصرف مثل المخ البشرى تماما. و لإختبار واطسون كان لابد من مشاركته فى مسابقة مثل جيوباردى Jeopardy! لأنها ليست من النوع التقليدى من المسابقات حيث يتلقى المتسابق سؤالاً و يعطى هو الجواب بل العكس هو الصحيح فى جيوباردى . يتلقى المتسابق مفتاح الإجابة و يُنتظر منه أن يسأل السؤال! و هو ما يجعل المسابقة تحديا كبيرا. الإجابات التى يأخذها المتسابق لا تكون سهلة كما تتخيل، فهى تكون متضمنة كنايات أو إستعارات لغوية و أحيانا يتم إستخدام التورية بالإضافة إلى النكات و السخرية إن أمكن ، بذلك هى أقرب إلى لغز منه بإجابة. و لهذا ينبغى أن يمتلك المتسابق قدرات كبيرة على التحليل اللغوى و الإستنتاج العقلى بالإضافة إلى قدر كبير من المعلومات العامة حتى يتمكن من الفوز.


بداية من يوم 14 فبراير 2011 و على مدى 3 أيام متتالية واجه واطسون خصومه الأقوياء من أشهر متسابقى جيوباردى السابقين. الأول هو "كين جينينغز" الفائز بالمسابقة 74 مرة متتالية أما الثانى فهو "براد راتر" الفائز بأكبر جوائز مالية فى جيوباردى. لم يكن واطسون موصلا بشبكة الإنترنت و إلا فأن ذلك لن يكون عدلاً بالنسبة إلى خصميه البشريين ،لكن عوضا عن ذلك فإن واطسون محملا بجميع الموسوعات المعروفة و الكتب فى جميع المجالات بالإضافة إلى أرشيف أعداد جريدة نيويورك تايمز حتى يومنا هذا فى ذاكرة تقدر ب 15 تيرابايت!


أجهزة واطسون العملاقة

عندما يتلقى واطسون الإجابة فإنه يأخذ وقته فى التفكير مثل البشر فيقوم بإسترجاع المعلومات من دماغه العملاق ثم يقوم بالخطوة الأهم و هى تجميع الأدلة حتى الوصول إلى مجموعة من الإقتراحات الممكنة مع حساب إحتمال صحتها بنسبة مئوية. و من ثم إتخاذ القرار النهائى و إعلانه بصوت بشرى رخيم نابع عن مكبرات الصوت الخاصة به.
يتضح أكثر فى الفيديو القادم نظام مسابقة جيوباردى من خلال جولة تجريبية لواطسون مع كين و براد



يكمن سر تميز واطسون فى إبداء رد سريع هو إعتماده على تقنية تمكنه من إجراء ألاف العمليات بشكل متوازى فى نفس الوقت مستغرقا 3 ثوانى على الأكثر! يعتبر واطسون أفضل من محركات البحث المعتادة مثل جوجل لأنه يعطى إجابة واحدة لمجموعة من الكلمات بينما على الجانب الأخر فإن محركات البحث التقليدية تعطيك ألاف و ربما ملايين الوصلات لتبحث بينها عما تريده.واطسون معجزة تكنولوجية بكل المقاييس، لأنه ليس مجرد ألة فحسب بل هو مثال مذهل للذكاء الإصطناعى القابل لتطوير نفسه بنفسه، فواطسون مثل البشر تماما يتعلم و يضيف لخبراته أول بأول.
لكن هذا لا يعنى أن واطسون جهاز مثالى لكنه معرض للخطأ أيضا و هو ما يظهر جليا فى سؤاله ردا على إجابة فى فئة "مدن أمريكية" :"ما هى تورنتو؟" و تورنتو هى مدينة كندية!! لكن د.ديفيد خمن أن خطأ واطسون ربما يكون راجعا إلى عدم وضوح جملة"مدن أمريكية" فى الإجابة الموجهه إليه فلم يأخدها فى إعتباره.
هذا الفيديو هو ملخص للمرحلة النهائية من المسابقة و فوز واطسون بمليون دولار



جيوباردى ليست نهاية واطسون، بل هى مجرد بداية. تكنولوجيا واطسون ضرورية فى حياتنا اليوم بداية من الطب، يمكن لواطسون أن يكون مساعدا ً للطبيب لإتخاذ القرارت الهامة و المؤثرة فى حياة المريض سواء فى إصدار تشخيص للمرض أو فى مرحلة تحديد نوع العلاج الصحيح و الآمن ،حيث أن المريض يريد من الطبيب أن يعطيه القرار المؤكد بأعلى نسبة من الثقة و هذا ممكن بمساعدة واطسون. هناك مجالاً أخر لابد أن يبرع فيه واطسون و هو مركز خدمة العملاء ، الذى يعد من أهم المراكز فى الشركات و المؤسسات المختلفة. وداعا للإنتظار طويلا حتى تتلقى رداً من أحد موظفى خدمة العملاء بعد الآن، فواطسون مجهز ليعطيك الإجابة عن تساؤلاتك أيا كانت. كذلك فى مجال المال و الأعمال فهو مجال مليئ بالقرارت الصعبة و المحفوفة بالمخاطر و يمكن لواطسون أن يتخذ القرارات الصائبة التى تؤدى إلى إزدهار التجارة و نمو الإقتصاد.الكثير و الكثير من التطبيقات اليومية التى يمكن لوطسون أن يشارك بها ليصبح بذلك المنافس الأول للمخ البشرى حتى الآن.

المصادر:
1,2,3,4


الاثنين، 3 يناير 2011

ما لا تعرفه عن الخلايا الجذعية-2-

هنا حان الوقت لكى نفهم الأهمية العظيمة للخلايا الجذعية و كيف تكون الحل للمشكلة التى بدأنا بها فى الجزء الأول...بعد أن نعرف قصة المريضة "كلوديا كستللو".



عانت كلوديا من تلف فى أحدى قصبيتيها الهوائيتين جراء اصابتها بمرض الدرن ، و هو ما أدى بدوره إلى قلة الهواء الداخل الى رئتها، و كما عرفنا من قبل عمليات الزرع ليست هى الحل المثالى.فى نوفمبر 2008 أصبح لدى كلوديا قصبة هوائية جديدة و الفضل فى ذلك يرجع الى الخلايا الجذعية.أخذت القصبة الهوائية من متبرع متوفى و تم غسلها بمحلول كيميائى للتخلص من كل خلايا المتبرع الاصلى للحد من تأثير الاجسام المناعية كما ذكرنا سابقا و ما تبقى منه فقط هو الهيكل الكولاجينى للقصبة و قد أستخدم هذا الهيكل كدعامة. فى المرحلة التالية تم استخراج نوعين من الخلايا من جسم كلوديا نفسه، أولا خلايا جذعية من نخاعها العظمى و ثم تم تحفيز هذه الخلايا لكى "تتكاثر" و "تتمايز" الى الخلايا المحيطة بالقصبة الهوائية أما النوع الاخر من الخلايا فهو مجموعة من الخلايا من القصبة الهوائية المريضة نفسها و هى خلايا سهلة النمو. تم زرع النوعين المذكورين من الخلايا فى الهيكل الكولاجينى و تركت فى حضانة حيوية لفترة ثم أصبحت القصبة الجديدة جاهزة للزرع و بدون أى خوف من مضاعفات رفض الجسم لها و كانت هذه هى أول عملية زرع ناجحة من نفس خلايا جسم المريضة. لم يكن هذا أول تنبؤ بنجاح الخلايا الجذعية.




القصبة الهوائية الجديدة لكلوديا

فى أبريل 2007 قام فريق من الاطباء بقيادة دكتور مجدى يعقوب بإنماء صمام لقلب بشرى باستخدام الخلايا الجذعية. يبلغ عدد المرضى المحتاجين لعمليات استبدال صمامات قلبية خلال عام 2010 حوالى 600000 مريض. بالتالى نشأت الحاجة الى توفير صمامات قلبية دون اللجوء الى الزرع من متبرع.



القفزة التالية فى ابحاث الخلايا الجذعية الخاصة بالقلب أن قام فريق من باحثين بمعامل جامعة منيسوتا ببناء قلب نابض كامل لأحد فئران التجارب. تم بناء هذا القلب بطريقة مشابهة لبناء القصبة الهوائية لكلوديا كستلو . أخذ قلب من فأر و غسل تمام من كل خلاياه و تبقى فقط هيكل جيلاتينى حقن به خلايا جذعية لفأر أخر و فى خلال أسبوع كان لديهم قلب كامل نابض بالحياة.و تظل الاضواء مسلطة على أبحاث الفئران حيث تمكن علماء أمريكيون من علاج فئران مشلولة جزئيا و عودتها للسير مجددا باستخدام خلايا جذعية جنينية . يهدف العلماء الى استخدام الخلايا الجذعية فى علاج أمراض أخرى مثل مرض السكرى بأعادة انماء خلايا البنكرياس القادرة على افراز مادة الانسولين من جديد لدى مرضى السكرى.

تجارب بناء قلب فأر نابض

يواجه العلماء فى أبحاث الخلايا الجذعية بعض المشكلات مع الخلايا البالغة لأنها ذات قدرات محدودة على التجدد والتحول الى خلايا متخصصة.لذا يميل العلماء الى استخدام الخلايا الجنينية فى أبحاثهم لأنها ذات قدرات هائلة على التحول و التخصص الى 220 نوع مختلف من الخلايا بسهولة .و لكن تكمن المشكلة فى الناحية الاخلاقية و الاجتماعية حيث انه معنى أخذ خلايا جنينية هو قتل جنين عمره لا يتعدى 5 أيام. لذا فالمبدأ مرفوض أخلاقيا و مع ذلك يصر العلماء على أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية و لكنهم يحاولون التملص من جريمتهم الاخلاقية هذه عن طريق عمليات استنساخ خلايا جنينية فى المعمل باستخدام الحمض النووى لنفس جسم المريض المراد زرع الخلايا فيه و بذلك نحد من عمليات القتل الجائر للأجنة و يطلق على عمليات الاستنساخ هذه اسم" الاستنساخ العلاجى" .

فى أكتوبر 2010 تم إعطاء الإشارة الخضراء لإجراء أول عملية مصرح بها لإستخدام الخلايا الجذعية الجنينية، من أجل علاج مريض من إصابة فى الحبل الشوكى أدت به إلى الشلل.بالطبع واجهت هذه العملية الكثير من الإعترضات من جهات عديدة أولها الجماعات المعارضة للإجهاض لأن هذه العملية تقوم على تدمير جنين، كما تعرضت العملية لتأجيلات عديدة إلى أن تمت الموافقة لإجراءها فى أكتوبر الماضى. قام الأطباء بحقن ملايين الخلايا فى الحبل الشوكى للمريض آملين أن تقوم الخلايا بوظيفتها فتعمل على ترميم الخلايا العصبية و تعيد بناء غطائها الخارجى و من المتوقع أن يستعيد المريض قدرته الحركية فى وقت قريب إذ ان فئران التجارب التى تعانى من الشلل ، قد أجريت لهم نفس العملية و تماثلوا الشفاء فى مدة شهر تقريبا.



على الرغم من زيادة طلب الباحثين على الخلايا الجنينية، إلا أن آخرين قبلوا التحدى و بدأوا فى تطويع المتاح من الخلايا لكى تؤدى الغرض دون الحاجة للجوء إلى الخلايا الجنينية المحظورة أو الخلايا البالغة المحدودة القدرات. من أحدث الأبحاث فى هذا المجال، هو بحث أوجد تقنية لتحويل خلايا جلد إلى خلايا معوية! بعد أخذ شريحة رفيعة من الجلد تعمل هذه التقنية الجديدة على تحويل الخلايا الجلدية إلى خلايا "محَفزة" تحمل نفس صفات الخلايا الجنينية من ناحية "التكاثر" و التمايز" تماما، و من هنا تستطيع هذه الخلايا التحول إلى أى نوع كان ، و بسهولة تتحول إلى خلايا أمعاء دقيقة تستخدم لإستبدال الخلايا المعطوبة لدى المرضى الذين يعانوا من إلتهابات فى الأمعاء. تكمن الطفرة الحقيقية فى تقنية أخرى توصل إليها علماء كنديين، تقوم بتحويل الخلايا الجلدية إلى خلايا دم مباشرة دون المرور بمرحلة الخلايا "المحفزة" تلك!! و هى طريقة أسهل و أفضل و يمكنها أن تحل مشكلة نقص أكياس الدم و علاج أمراض مثل الأنيميا و ووقف الحاجة إلى عمليات زرع نخاع العظام .

اذا نظرنا الى الابحاث الواعدة فى مجال الخلايا الجذعية نجد الكثير منها يوحى بالامل ،ليست كبديل للاعضاء الحيوية فحسب بل أيضا فى التجارب المعملية للعقاقير الطبية بتجربتها على الخلايا الجذعية بدلا من تجارب الفئران أو الانسان. كما أنها تعطى نظرة شاملة عن الكيفية التى تعمل بها خلايا أجسامنا فى الصحة و فى الامراض أيضا كما فى حالات الأمراض الرواثية أو التشوهات الجينية التى من الممكن أن تؤثر على الخلايا فتحولها من خلايا سليمة صحيحة إلى خلايا سرطانية خبيثة، كل هذا و أكثر تمكننا الخلايا الجذعية من دراسته و إستكشافه. و قد تتمكن الخلايا الجذعية يوم ما من علاج أمراض تستعصى علينا اليوم مثل مرض الزهايمر و السرطان و مرض باركنسون(الشلل الرعاش).

المحير فى أمر الخلايا الجذعية أن دورها عظيم و اذا كانت تقوم بهذا الدور كاملا داخل جسم الانسان لم أحتاج على علاج أو زراعة أعضاء من الاساس فلما لا تقوم بدورها التقويمى هذا داخل جسم الانسان على أكمل وجه؟ فاذا ما تعرض عضو ما الى الخطر فتنطلق لتعالجه و ترمم خلاياه؟ فهذا ما يحير العلماء و يبحثون من أجل ايجاد حل و هذا الحل يتمثل فى "حقنة سحرية" تعطيها للمريض فتأمر الخلايا الجذعية لكى تنطلق الى العضو المعنى، فتقوم بإصلاح التالف و تعيد العضو كالجديد مرة أخرى. أصبح هذا الحلم قابل للتحقق فعلا عندما توصل باحثون بريطانيون إلى دواء يحقن للمريض لكى يحفز الجسم على إنتاج الخلايا الجذعية لكى تقوم بترميم العظم المكسور و الأربطة المتمزقة أو الخلايا القلبية التالفة.و للخالق حكمته ففى داخل جسمك ينشأ المرض و من داخل جسمك أيضا ينشأ العلاج من "خلاياك الجذعية".

الصفحات