الثلاثاء، 10 يناير 2012

تكنولوجيا الغد: لا نحملها بل نرتديها!!

يرتبط أداء مهامنا و أعمالنا اليومية بالتقنيات التى نحملها معنا فلا تفارق أيدينا و تصحبنا فى كل مكان ، من حواسيب لوحية و محمولة و هواتف ذكية لإجراء الإتصالات حول العالم و تصفح شبكة الإنترنت و تشغيل التطبيقات الذكية إلى ما هو أكثر. لكن أن يتاح لنا "إرتداء" تلك التقنيات بدلا من أن نحملها ، فهذا ما ستؤول إليه تكنولوجيا الغد !

عدسات لاصقة ذكية

أصبح إرتداء العدسات اللاصقة لا يقتصر على ضعاف البصر، بل صارت متاحة لكل من يمتلك حساب بريد إلكترونى. الآن لم تعد بحاجة إلي هاتف ذكى أو حاسوب لتصفح بريدك الإلكترونى، فقط ثبت عدساتك اللاصقة على قرنيتك و تمتع بتصفح سلس و سهل لرسائلك. قد تعتقد أن تلك الإمكانيات المذهلة تحتاج إلى جهاز لا يقل حجمه عن حجم الهاتف الذكى لكن المدهش أن سمك الدوائر التى تحتويها العدسة يبلغ واحد من الألف من سمك شعرة الإنسان، أى أننا نحتاج إلى عدد يوازى 1000 من تلك الدوائر مصطفة فوق بعضها حتى يصل سمكها إلى سماكة شعرة الإنسان!!

صار الباحثون قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى تلك العدسات الثورية، بعد أن أثبتوا نجاح الفكرة مبدئيا ، من خلال نموذج أولى للعدسة اللاصقة تستطيع أن تعرض بكسل واحد من المعلومات تظهر على هيئة نقطة ضوئية يبصرها من يرتدى العدسة.

تجربة العدسة على عيون الأرانب

التقنية التى تحتويها العدسة ليست بالسهولة التى تبدو عليها، فقد كان على الباحثين أن يواجهوا العديد من المشكلات الصعبة. منها أن العين تركز على الأجسام و تبصرها على مسافة يجب ألا تقل عن عدة سنتيمترات، أما تلك المسافة فتسمى "البعد البؤرى لعدسة العين" و هو الحد الأدنى من المسافة حتى تتمكن عدسة العين من تجميع الضوء الصادر عن جسم و تركيزه على الشبكية، كيف إذن للعين أن ترى المعلومات ملاصقة لها من خلال العدسة اللاصقة ؟

تمكن الباحثون من التغلب على تلك المشكلة بإستخدام ما يسمى بـ "عدسات فريزنل Fresnel lenses " و هى نوع من العدسات كان يستخدم قديما لتركيز ضوء الفنارات الضوئية فى البحر، و هو نفس الدور الذى تؤديه عدد من "عدسات فريزنل" دقيقة الحجم الموجودة بالعدسة اللاصقة الذكية إذ تعمل على تركيز الصورة التى تعرضها ، حتى تقع على الشبكية و تدركها العين.

"تى شيرت" طبى

دائما ما يرتدى المريض فى المستشفي لباس فضفاض يخفى ما تحته من أقطاب موضوعة على صدره لقياس كهربية القلب ، و ربما تجده أيضا موصلا بكابل لقياس نسبة الأكسجين فى دمه و آخر لقياس ضغطه ، فيجد المريض نفسه محاطا بشبكة متداخلة من الأسلاك و التوصيلات التى تثير فى نفسه و أهله القلق و الهلع! إلا أن هذا المشهد ربما يصبح من الماضى عما قريب بفضل إختراع الـ "تى شيرت الطبى الذكى" من قبل باحثين أسبان.


يحتوى الـ"تى شيرت" على مجسات لتسجيل العلامات الحيوية للمريض من قياس لكهربية القلب و درجات الحرارة. بالإضافة إلى ذلك فإنه يحتوى على مزية تحديد موقع المريض الذى يرتديه عن طريق تقنية "جى بى إس GPS" مما يعطى المريض قدر كبير من الحرية للتحرك داخل المستشفى دون الحاجة إلى أن يحمل معه الأجهزة التى تتابع حالته الصحية . يرسل الـ "تى شيرت" العلامات الحيوية للمريض بشكل لا سلكى إلى نظام تحليل البيانات داخل المستشفى بهدف المتابعة المتواصلة.

و فى حالات الخطر ، يرسل نظام تحليل البيانات رسالة نصية إلى أقرب طبيب محددا موقع المريض بدقة لسرعة إسعافه.لا يقتصر إستخدام الـ "تى شيرت" على المستشفيات فحسب، بل هو افضل وسيلة لمتابعة حالة المرضى من منازلهم أو متابعة العلامات الحيوية للرياضيين بما يوفره من راحة لمرتديه إلى جانب إمكانية غسله و تنظيفه.

وشوم إلكترونية

يتباهى الشباب صغار السن بالملصقات و الوشوم التى تغطى أجسادهم، و تحمل عبارات أو رسومات ليست ذات نفع أو قيمة. إلا ان رأى العلماء فى هذا الصدد كان مختلفا ، إذ رأوا إمكانية الإستفادة من ملصقات الوشوم تلك و تحويلها إلى تقنيات دقيقة تعمل كبديل للأجهزة و المعدات الضخمة!

فى هذه الحالة لا يكون الوشم مجرد رسم مبتذل او عبارة بلا معنى لكن دائرة إلكترونية متكاملة تحتوى على مجسات حساسة و هوائى لإرسال المعلومات لاسلكيا! الوشم يكون أقرب إلى جسم الإنسان من ملابسه ذاتها لذلك فهو الأداة المثالية لقياس العلامات الحيوية و الأنشطة البدنية المختلفة دون أجهزة أو وصلات مرتبطة بالجسم. يمكن لصق الوشم الإلكترونى بسهولة على أى مكان على الجلد لقياس الموجات الكهربية للمخ أو قياس النشاط العضلى أثناء الحركة أو قياس كهربية القلب. أما عن مصدر طاقتها، فهى بالكاد تحتاج إلى قدر ضئيل جدا من الطاقة تتزود به بإلتقاط الموجات الكهرومغناطيسية الموجودة فى البيئة المحيطة و تحولها إلى طاقة كهربائية تغذى مكونات دوائرها أو يمكن تزويد الملصق بلواقط للطاقة الشمسية، كل هذا و أكثر فى سمك لا يتعدى قطر شعرة الإنسان. و يبقى الوشم سليما مدة تصل إلى 24 ساعة مع الشد و الضغط و الأحمال المختلفة دون أن تتلف الدوائر أو تتمزق.

و يعد هذا الملصق بمثابة النجدة للمرضى بمشكلات فى الأحبال الصوتية و التى تحرمهم المقدرة على وسيلة التواصل بالكلام، يمكن بسهولة لصق الوشم على الحنجرة و ما عليه فقط أن يحس بالحركات العضلية التى تحدث عند الحديث أو الكلام و يرسلها لاسلكيا إلى جهاز آخر ليقوم بتحويلها إلى كلمات مسموعة.

"تى شيرت" للشحن بالصوت

مع إتجاه ما نحمله أو "نرتديه" من تقنيات إلى أن تكون أكثر"ذكاءا"، تصبح تلك الأجهزة فى تعطش دائم لإستهلاك الطاقة التى تصرفها على تشغيل التطبيقات المختلفة و أداء الوظائف الحيوية كل جهاز بحسب دوره. لذا من المواقف المتكررة التى تواجهنا يوميا ، نفاذ البطارية التى تغذى الهاتف الذكى أو الحاسوب بشكل يشل حركة أعمالنا و مهامنا. لكن فى بيئة تملؤها ضوضاء الحشود و أصوات آلات تنبيه السيارات ، أضحى من الممكن أن تشحن بطارياتك بكل سهولة!

تمكن فريق من الباحثين بشركة "أورنج orange " من تحويل الصوت إلى طاقة كهربائية، فقط إرتدى "تى شيرت الشحن بالصوت" الخاص بك و تمتع ببطارية ممتلئة على الدوام! مثبت على سطح الـ "تى شيرت" طبقة رقيقة من مجسات "كهروضغطية" تقوم بتحويل ضغط الصوت الواقع عليها إلى كهرباء و هى بذلك تحاكى ميكروفون كبير الحجم. نجد أن صوت شدته 80 ديسيبل يكفى على مدار يومين لشحن بطارية هاتف ذكى واحد عن آخرها ، بواقع 6 وات من الكهرباء لكل ساعة ، حيث أن ضوضاء بمقدار 80 ديسيبل متوفرة بأى شارع مزدحم!

فيديو من مبتكرى التى شيرت من شركة أورنج:



بزة عسكرية تولد الطاقة

على أرض المعركة لا يوجد مجال للخطأ ، لا يعقل أن تكون على وشك إبلاغ قيادتك بمكان العدو و تفاجأ بنفاذ بطارية جهاز الإرسال اللاسلكى الخاص بك! و من أجل تفادى الوقوع فى تلك المشكلة على الجندى المسكين أن يحمل معه بطاريات تضيف على ما يحمله من معدات و أجهزة ثقيلة نحو 6 كيلوجرامات إضافية من إجمالى 68 كيلو جرام يحملها الجندى و يسير بها لمسافات طويلة ، و بالرغم من تلك الإحتياطات فعلى الجندى العودة إلى قاعدته العسكرية لشحن بطارياته مرة أخرى كلما نفذت. فعكف الباحثون بالجيش البريطانى على إيجاد حل مثالى يوفر العناء على الجنود ، و نجحوا بالفعل فى تحويل البزة العسكرية التى يرتديها الجنود إلى مصدر ذكى للطاقة بالإستفادة من طاقة الشمس التى لا تنضب.


تتكون الالياف المصنوع منها البزة من خلايا "كهروضوئية" تحول ضوء الشمس إلى كهرباء ، بالإضافة إلى خلايا "كهروحرارية" تحول الفارق فى درجات الحرارة إلى كهرباء أيضا، فى سابقة هى الأولى من نوعها مما يجعل البزة قادرة على إنتاج الطاقة 24 ساعة يوما لمدة 7 أيام أسبوعيا.

سروال الجينز..لفلترة الهواء!

تعج البيئة من حولنا بالملوثات التى نستنشقها مع الهواء و تعلق بأيدينا و ملابسنا عند لمس الأسطح و الأجسام . و تهاجم الأزمات الربوية الصغار قبل الكبار ولا سبيل لتفادى الملوثات المنبعثة من السيارات و المصانع لأنها تحيط بنا من كل إتجاه. إذن لما لا يكون لملابسنا التقليدية دورا فى القضاء على الملوثات، يمكن للسروال "الجينز" أن يلعب دور الفلتر لتنقية الهواء الذى نتنفسه ! بواسطة تكنولوجيا تنقية الهواء المبتكرة من جامعة "شيفلد" التى تحول الملابس التقليدية إلى "الملابس المحفزة". يغطى سطح أنسجة السروال "الجينز" بطبقة من "المحفزات الضوئية" و هى مواد تلتقط الملوثات من الجو و تتفاعل معا محولة إياها إلى مركبات كيميائية غير مضرة عندما تتعرض للضوء. و تُزال المركبات الناتجة بسهولة بالغسل و التنظيف ، و بذلك تشارك ملابسنا بإيجابية فى عملية تنقية الهواء!

معاطف ذكية تتمزق فتلتئم ذاتيا


حدوث أى قطع أو تلف فى الملابس، لابد و أن يلحقه إصلاح و معالجة من أيدى خبيرة ماهرة حتى يرمم القطع و يصلح التلف كأنه لم يكن. لكن عندما تتمزق المعاطف المضادة للمياه كالتى يرتديها الصيادون المحترفون ، يكون الصياد فى خطر أثناء تأدية عمله لأنه لم يعد بمنأى من المياه بعد الآن و لا سبيل لإسترجاع ما كان منها فيصير مكانها الأخير هو سلة المهملات . الآن يمكن الحد من إهدار الملابس المضادة للمياه ، بتقنية مبتكرة لرأب القطع ، تصنع المعاطف و الملابس المضادة للمياه من نسيج ذكى ، عندما يتمزق يجعل القطع يلتئم ذاتيا فيغلق نفسه بنفسه و كأنه سحر! هذه التقنية تم إبتكارها فى إطار مشروع نرويجى يسمى "الأمان فى البحر" و الذى يهدف إلى تصميم ملابس ذكية للصيادين الأوروبيين، لتوفير أعلى عوامل الامان لهم أثناء تأدية عملهم.

________________
المصدر: 1

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

"كيريوسيتي"...فى طريقها لإستكشاف المريخ



شهد العالم بأسره يوم السبت الماضى الإنطلاق التاريخى الناجح لواحدة من أهم العربات الإستكشافية فى طريقها إلى كوكب المريخ . العربة المريخية "كيريوسيتى Curiosity" و هى الترجمة الإنجليزية لـ "الفضول" أو "حب الإستطلاع" و هو فى حقيقة الأمر إسم على مسمى يبين بكل وضوح الدافع وراء إطلاق العربة المريخية الأسطورية.

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

مرض السرطان: ليس حديث العهد كما كنا نتصور

فى وقت ما منذ ما يقرب من 2250 عام عانى مصرى قديم فى عصر البطالمة نطلق على موميائه اليوم إسم "M1" ، من مرض مجهول صاحبه ألم شديد فى إسفل الظهر.و مع إنتشار مرضه فى مناطق إخرى من جسده ، اضحت حركته صعبة و مضنية. و بعد وفاته البطيئة متدثرا فى آلامه ، سارع أهله بدفع تكلفة تحنيطه بالرغم من أنه ليس من طبقة الصفوة أو الأغنياء إلا أنهم قد ارتؤوا تجهيزه لكى يبعث فى حياة أخرى رغدة سعيدة يعوض فيها ما عاناه فى الدنيا من آلام مريرة.

أما الرغد و السعادة فقد كانا من نصيب الفريق البحثى القائم على مومياء "M1"، و بعد قرون طويلة مرت على تحنيطه يرسلون بتحياتهم إلى ذويه فى "العالم الآخر" فلولا إتخاذهم قرار تحنيط "M1" لم يكن الباحثون ليتعرفوا على أقدم حالة من سرطان البروستاتا فى مصر القديمة و ثانى أقدم حالة فى التاريخ. سعادة الفريق البحثى كانت لأن إكتشافهم هذا بمثابة الضربة القاضية لضحض النظرية القائلة بأن مرض السرطان من صنع الإنسان الحديث و ما فى ذلك من إلقاء باللوم على الثورة الصناعية و تبعاتها .


و للسرطان تاريخ...

إن تاريخ مرض السرطان موغل فى القدم أكثر مما نتخيل، حتى أنه يعود إلى ما قبل التاريخ، فى عصر سادت فيه الأرض زواحف عملاقة إسمها الديناصورات! تخبط "جروجوصورس"- آكل اللحم- كثيرا و أصيب بالعديد من الكسور و الجروح الغائرة المندملة كما كان واضحا على هيكله العظمى البالغ من العمر 72 مليون عام و المكتشف سنة 1997 ، لم يكن ذلك لضعف الجروجوصورس المسكين و قلة حيلته بين أقرانه آكلى اللحم ،إنما إصابته بورم ضخم بحجم كرة البيسبول فى المخ أفقده السيطرة على إتزانه و من ثم تعرضه الدائم للإصابات البالغة. لم يكن هذا الإكتشاف الأول و لا الأخير لأورام سرطانية فى الديناصورات، وجد دكتور "روتشيلد" أن ظاهرة مرض السرطان فى الديناصورات تستحق بحث موسع و شامل ، فحمل معه جهاز المسح بأشعة أكس و سافر إلى شمال أمريكا بصحبة فريقه البحثى من جامعة أوهايو لإجراء مسوح على 10000 فقرة ظهرية لأكثر من 700 عينة من المتحف لأنواع مختلفة من الديناصورات. و بالفعل كانت نتيجة المسح إكتشاف 29 ورم عظمى من 97 و هو العدد الكلى لعينات ديناصورات "هيدروصوراس" آكلة العشب.

أما الأسباب وراء إصابة الديناصورات بالسرطان فى هذه الحقبة البعيدة من الزمن هو لغز تعددت فيه النظريات ، أكثر هذه النظريات جموحا تلك التى فسرت الوفاة الجماعية و المفاجأة للديناصورات. مع دراسة علماء الفلك لعمق كوننا وجدوا أن كوكب الأرض قد تعرض لكميات متغيرة من الإشاعات القادمة من الفضاء على مدار عمرها و بناءا على تلك الملاحظة ، رجحت إحدى النظريات المتحمسة أن أوراما سرطانية سببتها إشعاعات متأينة من الفضاء ربما قضت على الديناصورات عن آخرها! لم تبقى تلك النظرية طويلا على الساحة العلمية إذ سقطت سقطة مدوية بدفعة من دراسة حديثة أجراها "روتشيلد"، قارن فيها ما بين معدل حدوث مرض السرطان فى فقاريات العصر الحالى و معدل حدوثه فى العينات الـ 700 التى أجرى عليها دراسته السابقة و كانت النتيجة أن معدل الحدوث واحد تقريبا و لم يختلف من ملايين السنين عن الآن.


رؤية ساخرة: التدخين هو السبب وراء إصابة الديناصورات بمرض السرطان!!

إختفت الديناصورات من على وجه الأرض و إختلفت الآراء حول السبب ، و لكنها أفسحت المجال لظهور أشكال جديدة للحياة على كوكب الأرض و من أهمها ظهور الإنسان و بقى السرطان عاملا مشتركا. تناولت البرديات المصرية القديمة وصفا لمرض السرطان، وتعد بردية "إيبرس" (1500 قبل الميلاد) كتابا متكاملا لأنواع الأورام المختلفة مع العلاجات المتاحة لكل نوع لكن معظم تلك العلاجات معتمدة على السحر و الرقيات.


بردية إيبرس

إحتوت الكتابات الإغريقية منذ القرن الخامس قبل الميلاد عن مرض السرطان، و شارك العالم الإغريقى "أبقراط" الملقب بـ "أبو الطب" بالنصيب الأكبر آنذاك فقد لاحظ طبيعة الورم السرطانى و ميز شكله على هيئة "سرطان البحر Carcino" و من هنا جاءت تسميته، كما ميز الإغريق ما بين الأورام الحميدة و الخبيثة.

و كما شهَدت الأدبيات العلمية القديمة المتمثلة فى البرديات و الكتابات على إنتشار مرض السرطان قديما ، شهَدت مومياءاتهم أيضا على ذلك. فحصت جمعية علم الأمراض القديمة التى تأسست فى سبعينات القرن الماضى ، مئات المومياءات المصرية القديمة كما درس نادى الأمراض القديمة التابع لجامعة فيرجينا مئات أخرى من المومياءات من تشيلى و بيرو ، فكانت النتيجة إكتشاف العديد من الأورام السرطانية الحميدة فى الأيدى و الأرجل و بعض الأورام التى أصابت الأعصاب. كانت الأورام الخبيثة أيضا لها نصيب من الإكتشاف، فى مومياء طفل من تشيلى يرجع تاريخها إلى عام 003-600 م. و مؤخرا كان إكتشاف العالم "زيمرمان" فى 2003 لحالة سرطان المستقيم فى مومياء مصرية قديمة تعود إلى العصر البطلمى وُجدت فى الواحات الداخلة.

السرطان: مرض قديم أم حديث أم شئ فيما بينهما؟!

العنوان السابق كان لمقال نشره "زيمرمان" فى 2010 تناول فيه تاريخ مرض السرطان و خلص فى نهاية مقاله أن السرطان مرض حديث النشأة من صنع الإنسان! وأن الأورام المكتشفة فى المومياءات القديمة هى حالات أغلبها غير مؤكد أما المؤكد منها إن دل على شئ فهو يدل على ندرة المرض قديما لأن مسبباته غير موجودة فى الطبيعة، فبيد الحداثة و التطور تعاظم مرض السرطان و أصبح المسئول
الثانى عن موت البشر بعد الأمراض القلبية فى العالم الحديث.

لقى مقال زيمرمان نقدا واسعا من جموع العلماء و المتخصصين، لأن رؤية زيمرمان لعدم وجود أى مسببات فى الطبيعية قادرة على حث مرض السرطان للظهور و هو رأى خاطئ تماما. الديناصورات آكلة العشب "هيدروصوراس" ربما أصيبت بالسرطان لأكلها من أوراق الأشجار من فئة الصنوبريات المحتوية على مواد مسرطنة. الأشعة فوق البنفسجية تنبعث من الشمس منذ بدء الخليقة و سرطان الجلد نتيجة طبيعية للتعرض لها، كذلك إستنشاق الدخان و مخلفات الإحتراق (السناج الأسود) مسبب للسرطان، ناهيك عن الإصابة بالعدوى من الفيروسات المنشرة حولنا و التى تصيب بسرطانات فى الكبد و الحوض.لذا فإن الإنسان القديم لم يكن بمعزل عن المواد المسرطنة كما هو الحال مع الإنسان الحديث.

يعانى البشر اليوم من تبعات التطور فوجدت المواد المسرطنة لها مكانا فى البيئة المحيطة و الطعام. بالرغم من هذه الحقيقة فإن حدوث مرض السرطان فى عصرنا الحديث يعتمد بشكل أساسى على نمط و أسلوب حياة الفرد ، إلى جانب العوامل الطبيعية الخارجة عن إرادتنا بالطبع . لكن ذلك الأمر و لحسن الحظ يمكن لكل فرد التحكم فيه ، التدخين كمثال مسئول عن ربع حالات الإصابة بالسرطان حول العالم ، و منعه نهائيا يمكن أن يخفض الإصابة بالمرض. إنتهاج الإنسان لأسلوب حياة صحى قائم على نظام غذائى سليم و تجنب السمنة بممارسة الرياضة بشكل دائم و الإبتعاد قدر الإمكان عن مسببات السرطان المعروفة مثل التدخين و تناول المشروبات الكحولية و التعرض لأشعة الشمس لفترات طويلة ، تجعله بمأمن من المرض.


الخلاصة: السرطان مرض قديم

الحضارات القديمة لم تكن متطورة بالشكل الكافى فى مجال إكتشاف و علاج الأمراض فكان متوسط حياة الفرد آنذاك لا يتعدى 40-50 عام. بالتالى لم يكن مرض السرطان سمة ظاهرة ، حيث أن السرطان مرض مرتبط بالتقدم فى العمر لأن الوقت عامل رئيسى يحتاجه المرض لكى يتكاثر و يثبت دعائمه فى جسم الإنسان لذلك يزداد حدوثه فيما بعد الـ 50 من العمر مع إمكانية حدوثه لمن هم دون هذا السن بالطبع. قُدر عمر مومياء المصرى القديم "M1" عند وفاته بنحو 51 إلى 60 ، لذا فهو قد نجى من الموت فى سن صغيرة لكنه كبر فى السن ليواجه الموت بالسرطان. فإذا كانت الفرصة سانحة للإنسان القديم أن يعيش لفترات أطول ، فإن معدل إصابته بمرض السرطان سوف تكون مساوية لقرينه الإنسان الحديث.

إن مرض السرطان قديم قدم الزمان و إكتشاف إصابة مومياء "M1" بسرطان البروستاتا كان بفضل جهاز المسح المقطعى الجديد البالغ الدقة الذى لم يستخدم قبل سنة 2005 ، و هو قادر على كشف أورام بقطر أقل من 1 مليمتر و هذه التقنية لم تكن متوفرة لزيمرمان و من قبله من علماء الأمراض القديمة الذين فاتهم إكتشاف الأورام فى المومياءات و بقايا الديناصورات بالرغم من وجودها تحت أنوفهم مباشرة و فى ذلك ضحض علمى و مباشر للقائل بأن السرطان مرض حديث من صنع البشر.

إجراء المسح المقطعى على المومياءات
__________________
المصادر:


السبت، 8 أكتوبر 2011

توأم ملتصق:رأس واحد...معا إلى الأبد

التوأم السودانى ريتال و ريتاج تستقبلان العالم منفصلتين لأول مرة فى يوم 19 من سبتمبر الماضى، بعد عام من ولادتهما متحدتين من جهة الرأس. فى جراحة ناجحة تمت مقسمة على 4 مراحل تم خلالها فصل التوأم فى لندن بفضل مجهودات 15 جراح وضعوا أقصى ما يمتلكونه من مهارات و قدرات طبية و جراحية لإنقاذ هاتين الطفلتين بالرغم من كون الجراحة محفوفة بالمخاطر لتشارك الأختين العديد من الأوعية الدموية بالمخ.



التوأم المسخ

رغم حالة التوأم السودانى النادرة إلا أنها ليست الأولى من نوعها، إنما هى حالة موثقة و مسجلة منذ الأزل. وفق التتبع التاريخى لحالة التوائم متحدة الرأس وجدت أول حالة موثقة بمدينة بافاريا الألمانية فى القرن الخامس عشر تحت تصنيف "مسخ monster " و قد فُسرت حالة المسخ أنذاك أنه قد ولد لهذه السيدة كتحذير إلهى لسوء أفعالها!! أشهر حالة لتوأم متحد الرأس كانت فى القرن السابع عشر لتوأم بنغالى، بمجرد أن ولدتهما أمهما ألقت بهما فى النيران و لكن تم إنقاذهما و عاشا لمدة 4 سنوات إلى أن توفيا جراء لدغة ثعبان (مرة أخرى كتحذير إلهى)!! و تحفظ جمجمتهما الآن فى الكلية الملكية للجراحين بلندن.

جمجمة التوأم البنغالى

ساد تصنيف "المسوخ" للتوائم المتحدة من جهة الرأس لقرون عديدة حتى قام الطبيب أوجست فورستر فى القرن الثامن عشر بإدراج مصطلح طبى جديد ليصف حالة هؤلاء التوائم تحت إسم "التوأم متحد القحفية Craniopagus twins ". "القحف" فى اللغة العربية يطلق على ما تكسر من الجمجمة أو ما قطع منها لذلك نجد المعنى ينطبق على حالة التوأم المتحد الذى يمتلك كل منهما جمجمة غير مكتملة . ظاهرة التوأم المتحد عموما نادرة الحدوث تقدر بـ 10 إلى 20 حالة لكل مليون ولادة بالولايات المتحدة الأمريكية أما ظاهرة التوأم متحد القحفية فهى تعد أكثر ندرة تقدر بـ 0.6 حالة لكل مليون ولادة.

نسبة 40 % من التوائم المتحدة القحفية تتوفى داخل الرحم و نسبة 33 % أخرى تموت فى الفترة التى تلى الولادة مباشرة بسبب العيوب الخلقية الغير قابلة للعلاج. فى حالات أخرى يعيش التوأم المتحد القحفية لفترات أطول بعد الولادة و لكنها حالات نادرة حيث أن 90 % منهم يلقى حتفه كحد أقصى قبل العاشرة من عمره و منهم من يبقى على قيد الحياة مثل التوأم الإيرانى لاليه بيجانى و لادان بيجانى اللتان عاشتا حتى سن 29 عام و عملتا بمهنة المحاماة إلى أن أجريت عملية فصلهما التى أنتهت بالوفاة. و التوأم إيفون مكارثر و إيفيت مكارثر ،ولدتا بلوس انجلوس عام 1949 و تعذرت عملية فصلهما نظرا لعمق الإتحاد فيما بينهما و عاشتا حتى الأربعينات من عمريهما ،مباشرة قبل حصولهما على شهادة التمريض.

التوأم مكارثر

لماذا التوأم المتحد؟

ولادة التوأم المتحد القحفية أو أى نوع آخر من الإتحاد و المعروف بين عموم الناس بـ"التوأم الملتصق" من جهة الصدر أو الحوض أو غيرها ، كلها ظواهر غير معروف سببها الطبى حتى الآن . عملية تكوين التوأم فى رحم الأم تتم عن طريق تلقيح بويضة واحدة بحيوان منوى واحد لتكوين الجنين ، إلا أنه فى بعض الأحيان خلال فترة الـ 12 يوم الأولى بعد التلقيح قد تنقسم البويضة الملقحة إلى جزئين أو أكثر و عندها يتكون أكثر من جنين ، من ناحية أخرى يعتقد أنه إذا ما حدث الإنقسام للبويضة بعد اليوم الثالث عشر إلى الرابع عشر من التلقيح عندها يتوقف الإنفصال قبل أن تكتمل العملية تماما و هو ما ينتج عنه توأم متحد من جهة الرأس أو الصدر أو قاعدة العمود الفقرى أو السرة أو الحوض، و فى قول آخر يتم الإلتحام بين الجنينين بطريقة ما فى مرحلة ما أثناء تكونهما. لا تعتمد ظاهرة التوأم المتحد على أى عوامل أخرى مثل العرق أو سن حمل الأم أو الجينات الوراثية أو المؤثرات البيئية.

تصنيف فورستر لحالات التوائم المتحدة

توأم القحفية

نعود إلى حالة التوأم متحد القحفية، نجد أنه ليس نوع واحد فحسب، لكن يمكن تقسيمه وفقا لمدى عمق الإتحاد إلى جزئى أو كلى. دكتور "أو كونيل" هو أول من وضع هذا التصنيف مفسرا أن الإتحاد الجزئى يتضمن جزء صغير من القحفية بدون تشوهات أو تغيرات كبيرة لكن الكلى ينتج عن مشاركة جزء كبير من القحف و إتصال عميق داخل الفجوة القحفية. و لتصنيف أكثر دقة قسم "كونيل" الإتحاد الكلى إلى إتحاد أمامى و جدارى و صدغى و خلفى (شاهدهم على الترتيب فى الصورة التالية).



تتوقف خطورة هذا الإتحاد القحفى على صحة التوأم بناءا على مدى التداخل بين "الجيوب الوريدية الجافية Dural venous sinuses". تلك الجيوب هى القنوات التى تسرى فيها الأوعية الدموية التى تحمل الدم من المخ و تقوم بتجميعه و تعيده إلى القلب لكى يحمله بالأكسجين و يعيد ضخه إلى الجسم مرة أخرى .تلك الأوعية الدموية تسمى الأوردة (ومفردها وريد) و هى تسرى فى الطبقة العلوية من المخ و المعروفة بإسم"الأم الجافية" و من هنا جاء إسمها "الجيوب الوريدية الجافية". لذا فإننا إذا أردنا إعادة تعريف الإتحاد الجزئى و الكلى فيمكننا القول أن الإتحاد الجزئى لا يتضمن مشاركة خطيرة لكل من التوأمين فى الجيوب الوريدية الجافية أما فى الإتحاد الكلى فإن المشاركة و الترابط بين نظامى الجيوب الوريدية الجافية لكل من مخى التوأمين يكون بالغ التعقيد و هنا تكمن المشكلة.لا يقتصر التشارك على الجيوب الوريدية فحسب لكنه يشمل أيضا القشرة المخية و هى تلك الطبقة المتعرجة على سطح المخ و تكون مسئولة عن الإدراك و الحواس و اللغة لدى الإنسان أى أن التضرر فيها يعنى خسارة الحواس الأساسية لحياة الإنسان.

نظام الجيوب الوريدية الجافية

التداخل واضح بين الجيوب الوريدية للأختين الإيرانيتين بيجانى

إذا عدنا إلى حالة التوأم ريتال و ريتاج فى بداية هذا المقال، فإنهما كانتا تتشاركان جزءا لا بأس به من الأوردة و هو الأمر الذى شكل حمل زائد على قلب ريتاج، فقد كان يسحب جزء من الدم الخاص بمخ أختها ريتال لتحمله بالأكسجين ثم تعيد ضخه إلى مخ ريتال مرة أخرى فشكل خطرا على حياة ريتاج لحساب حياة ريتال.

فصل التوأم متحد القحفية

و هو ما يقودنا إلى سؤال بالغ الأهمية ، متى يكون قرار فصل التوأم المتحد القحفية صائبا؟ بالطبع لا يوجد إجابة محددة لهذا السؤال لأن كل حالة مستقلة بذاتها عن أى حالة أخرى، و هو ما يستلزم لكل توأم متحد القحفية دراسة متكاملة بداية من إكتشاف الحالة فى رحم الأم حتى إتمام عملية الفصل بنجاح.بداية عند إكتشاف حالة توأم متحد القحفية بإستخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية ،هنا يقع على الأم و الأب عبئ إختيار إتمام عملية الحمل حتى نهاية أو إتخاذ قرار إجهاض التوأم إذا لم يكن الإكتشاف متأخرا. إذا ما إختار الأبوان ولادة التوأم هنا يتخصص فريق كامل من الأطباء يتلخص دورهم فى العناية بالأم و التوأم فى مرحلة ما قبل و ما بعد الولادة التى تكون قيصرية. بالنظر إلى حالة التوأم المتحد فى أغلب الأوقات يعانى كل من الوليدين أو أحدهما من مضاعفات صحية متمثلة فى إضرابات فى وظائف القلب و إرتفاع أو إنخفاض ضغط الدم .لا يتم فصل التوأم متحد القحفية فى تلك المرحلة الحرجة إذ يكون من الضرورى أولا السيطرة الطبية على الحالة الصحية للتوأم و فى الوقت نفسه الإنتظار لفترة كافية حتى يكبر التوأم بضع من الأشهر ، ليكونوا قد إكتسبوا خلالها بعض الوزن مع إستقرار فى الحالة الصحية مما يمكنهما تحمل صعوبات جراحة الفصل من فقدان وارد فى الدم و المقدرة على السيطرة على وظائفهم الحيوية خلال فترة الجراحة.

خلال تلك الفترة الإنتقالية حتى الجراحة، يجرى الأطباء عملية تصوير بالأشعة المقطعية و الرنين المغناطيسى من أجل تقدير مدى التداخل و الترابط بين الهيكل التشريحى للتوأم . من خلال تلك الصور و المسوح على الفريق الطبى معرفة العديد من النقاط الفارقة مثل إلى أى درجة يصل إتحاد فروتى الرأس و الجمجمة للتوأم ، و إلى أى حد يكون الإتحاد فى الأم الجافية و قشرة المخ المتعرجة بالإضافة إلى درجة الترابط و التداخل فى نظامى الأوردة و الشرايين الخاصة بكلا التوأمين و إذا ما كان هناك مشاركة فى الخلايا العصبية بالمخ. للمفارقة فى بعض الأحيان يثبت من الصور و المسوح أن التداخل لا يتضمن قشرة المخ و ما أنا يبدأ الجراحون فى عملية الفصل حتى يفاجئوا أمامهم بتداخل قد يصل إلى 5 سنتيمتر مربع بين قشرتى مخ التوأم و لذلك على الأطباء إتخاذ الإحتياطات اللازمة بتصوير التوأم بكل التقنيات الطبية الممكنة و أخذ أكثرها دقة كمرجع.

رسم ثلاثى الأبعاد ناتج من الصور و المسوح يوضح التداخل الوريدى

على أساس كل ما سبق يتحدد مسار عملية الفصل و التى غالبا ما تكون مقسمة على عدة مراحل يتحدد عددها على حسب حالة التوأم و مدى التداخل فيما بينهما و ذلك لأنه كلما كان التداخل أكثر تعقيدا بين الأوردة و الشرايين يصبح معدل فقد الدماء و إهدارها اكبر و سرعان ما يجد الجراح نفسه غارقا فى بركة من الدم و هو غالبا ما يؤدى فى النهاية إلى وفاة التوأم. إلا أن دكتور "أو كونيل" وجد أن تقسيم عملية الفصل على عدة مراحل خفض من نسبة الوفيات من 63% فى عمليات الفصل الغير مقسمة إلى 23 % فى عمليات الفصل المقسمة على مراحل و هى عملية تستغرق شهورا طويلة.أما إذا كانت عملية الفصل تشكل خطرا واضحا على حياة التوأم عندها يبقى التوأم كما هو على حاله ، مع مساندة الأبوين و التوأم للتأقلم مع وضعهم الحالى.

عملية فصل و لكن...

صحيح أن عمليات الفصل المقسمة خفضت من معدل وفيات التوائم متحدة القحفية ، لكنها لا تزال غير مثالية تماما لأن التقنية الأساسية المتبعة فى عمليات الفصل تقوم على التضحية بواحد من الطفلين فى سبيل أن ينجو الآخر و يعيش حياة سليمة و صحية. فى حالات التشارك العميق بين النظام الوريدى لكلا الطفلين لابد أن يكون هناك ترابط فى جزء رئيسى من الجيوب الوريدية الجافية معروف بإسم "الجيب السهمى العلوى". أما الطفل الذى يأخذ الجيب السهمى كاملا أثناء عملية الفصل هو من ينجو. عدم أخذ الطفل الآخر للجيب السهمى لا تعنى وفاته لكن غالبا ما يكون ذلك الطفل هو من يعانى من تأخر فى التعلم و الحركة و ربما بعض المضاعفات الصحية الأخرى.

نسترجع من أرشيف التوائم متحدة القحفية ، حالة لتوأم فلبينى تم فصله عام 2004 على يد الدكتور "جودريتش" ، كان واضحا فى هذه الحالة أن الطفل رقم"2" هو من يمتلك الجيب السهمى الوريدى لذلك عند الفصل أخذ ذلك الطفل الجيب السهمى بينما كان على الطفل رقم "1" أن يكيف دورته الدموية الوريدية الداخلية على نقص الجيب السهمى الوريدى و هو ما تم التأكد من حدوثه بالفعل قبل إتمام عملية الفصل.

رسم ثلاثى الأبعاد لحالة التوأم الفلبينى قبل الفصل

لكن بمتابعة الطفلين بات من الواضح أن الطفل رقم"2" الأكثر تطورا ، فهو أول من تكلم و مشى و وجدت لديه القابلية لتعلم أشياء جديدة. أما الطفل رقم "1" أصبح يعانى من نوبات تشنجية بعد عام واحد من الفصل و لكن أمكن التحكم بها عن طريق الدواء . كان كذلك أبطأ و أقل حماسة للإستجابة فى العلاج الطبيعى، فى البداية لم يعانى هذا الطفل من عيوب خاصة بالقدرات الحركية لكن ببطء مع الوقت أصبح مصابا بـ"متلازمة تجاهل" لنصفه الأيسر من الجسم أى أنه كان يستطيع إستخدام هذا النصف من جسده لكن يتجاهله و هو ما أخر من تعلمه المشى. بعد مرور خمسة أعوام أصبح الطفل رقم "1" يتحرك بشكل كامل ، و كل من الطفلين يتابع تعليمه المدرسى.

فى النهاية نقول أن العبرة ليست بنجاح عملية الفصل بل فيما بعد ذلك بمقدرة التوأم المنفصل على عيش حياة طبيعية تماما و قدرات ذهنية و حركية سليمة.فى بعض الحالات لا تظهر مشاكل صحية حتى بعد سنوات من الفصل مثلما فى حالة طفلتين أجريت لهما حالة الفصل عام 1977 ، و مع المتابعة الدائمة مع مرور السنوات للتوأم بعد الفصل ، تتطورت قدرتيهما اللغوية و الحركية بشكل كبير و لكنه لم يمنع من مواجهة الفتاتين لمعوقات دراسية تطلبت بعض الفصول الخاصة لإتمام تعليميهما الثانوى بنجاح. وصل الأمر فيما بعد بإحديهما للإصابة بشلل رباعى تشنجى بعد سنوات من عملية الفصل إنتهى بها إلى كرسى متحرك مع بقاء أختها سليمة بدون أى مضاعفات لعملية الفصل و عمرهما الآن 32 سنة.


التوأم قبل و بعد الفصل

هذا الأمر لم يحسم بعد فى حالة التوأم السودانى ريتال و ريتاج و لكن الأطباء لا يكون بأيديهم حيلة بعد إجراء عملية الفصل، ليس عليهم سوى المتابعة والإنتظار و ترك مرور السنوات لتحكم على دقة عملهم و إثبات نجاح أو فشل ما قاموا به.

المصادر:

1. SAMUEL R. BROWD,JAMES T. GOODRICH,MARION L. WALKER:Craniopagus twins. J Neurosurg Pediatrics 1:1–20, 2008

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

من الأرض إلى الفضاء-3

لقراءة الأجزاء السابقة من هذا المقال:
من الأرض إلى الفضاء-1
من الأرض إلى الفضاء-2

التأرض الموازى

ليس التأرض بعملية سهلة، تحتاج إلى أموال طائلة و عقود طويلة من الزمن لكى نرى نتيجتها.الحل الآخر و الذى لا يقل عن سابقه صعوبة هو التأرض الموازى أو ما يسمى "البيت العالم worldhouse ". بمعنى أن أى كوكب أو قمر من هؤلاء يمكن أن يستغل كأرض بديلة مع بناء مستعمرات كاملة على هيئة قبب ذات سقف زجاجى تبدأ على مساحات صغيرة ثم تتوسع تدريجا لتشمل معظم مساحة الكوكب أو القمر.
يتم بناء تلك القبب على إرتفاع 1 كم أو أكثر من سطح الكوكب أو القمر و تكون مزودة بنظام ضغط جوي و هواء صالح للتنفس مع تزويدها بأبراج الضغط العالى لتوليد الطاقة. توفر جميع الظروف اللازمة لحياة البشر كالهواء اللازم للتنفس و الدرع الواقى من المجالات الكهرومغناطيسية ، وبالإضافة إلى الطعام و الشراب. يتميز التأرض الموازى عن عمليات التأرض العادية بأن التوسع يتم بشكل تدريجى عند الحاجة فقط على حسب زيادة أعداد السكان بالإضافة إلى عدم الحاجة لتغيير الغلاف الجوى للكوكب أو القمر بالكامل بل فقط يضاف المناخ الجوى اللازم داخل القبب و المستعمرات بما يتناسب مع حجمها و الذى يعتبر أصغر بالمقارنة إلى غلاف جوى كامل لكوكب أو قمر ما. على الجانب الأخر تحتاج عمليات البناء إلى مستلزمات و معدات ضخمة ذات تكلفة عالية ، و مع كل تلك التجهيزات الضخمة تظل القباب بلا حماية تذكر من الكويكبات و النيازك الضالة التى لا تحترق و تتفت كما هو متوقع نتيجة إحتكاكها مع غلافها الجوى لأن تلك الكواكب أو الأقمار غالبا لا تمتلك غلافا جويا! و كتطبيق واقعى لفكرة "البيت العالم" تم إنشاء نموذج لها هنا على كوكب الأرض فى مشروع تحت إسم "بيوسفير2 Biosphere 2" بنفس تقنية القباب الزجاجية تلك ، تحتوى على وحدات سكنية و مساحات زراعية و مناخ جوى كامل.

بيوسفير2

من الأرض إلى الكويكبات

هل تتخيل نفسك يوما تعيش على كويكب؟ و لما لا فمجموعتنا الشمسية عامرة بهم فهى تحتوى على نحو 100 كويكب يزيد عن 125 كيلومتر و "سيرس" هو أحد الكويكبات الواعدة لإحتواء سطحه على طبقة مائية جليدية و ربما سائلة تحت سطحه. يمكن الحياة على كويكب بتحويل الكويكب ذاته إلى مدينة و لكن ذلك يتطلب جهد و معدات كبيرة للحفر و تفريغ باطنه إلا أن الحل الأسهل هو بإنشاء مدن فى سماءه تدور حوله و تكون مزوده بكل العوامل اللازمة للحياة بل و تدور بسرعة مقاربة لسرعة الأرض حتى يتسنى لسكانها الحياة فى ظل جاذبية مشابهه لتلك على كوكب الأرض. و يمكن إستخدام مرايا عاكسة لإستقطاب أشعة الشمس لتنير المدن لكى تساعد فى تدفئتها و تيسير الزراعة على سطحها.

من الأرض إلى عمق الفضاء

إذا وجهنا أنظارنا إلى الكون الشاسع لوجدنا المئات و المئات من الكواكب التى تشبه أرضنا و تدور فى مجموعات شمسية شبيهه بمجموعتنا و قد إكتشفها التلسكوب كيبلر و حدد مواقعها المختلفة على بعد يتراوح ما بين مئات إلى آلاف قليلة من السنوات الضوئية، إذن لماذا لا نمتطى مركباتنا الفضائية و نتجه إليها مباشرة؟!
إذا إنطلقنا فى رحلة إلى القمر،فسوف نقطع مسافة 384000 كيلومتر فى مدة 3 أيام لكى نصل إلى هناك و هى مدة معقولة نسبيا. إذا غيرنا وجهتنا إلى المريخ فسوف تزيد المسافة و بالتبعية سوف تزداد المدة التى نستغرقها لكى نصل إلى هناك خلال مدة 7 أشهر متواصلة، أما الرحلة إلى قمر المشترى تيتان فتستغرق أكثر من 3 سنوات!! قد لا تعنى لنا تلك المسافات أو المدة المستغرقة أى شئ إلا إذا علمنا الكم الهائل من الأشياء اللازمة لحياة الرواد من طعام و شراب و غيرها لاوازم، فالمركبة التى سوف تحمل الرواد إلى المريخ يصل حجمها من 3 إلى 6 أضعاف حجم تلك المركبة المتجهة إلى القمر و يمكنك أن تضيف إلى ذلك أضعاف مضاعفة فى رحلة الى تيتان قمر زحل ...لك أن تتخيل الآن حجم المركبة إذا كانت متجهة إلى أحد الكواكب الشبه أرضية القريبة على بعد مئات قليلة فقط من السنوات الضوئية!!.

يحمل العلماء أيضا بعض القلق تجاه سفر الرواد فرادى فى الفضاء منعدم الجاذبية فى رحلات طويلة قد تؤثر سلبا بشكل كبير على الحالة النفسية لهم، لذلك فالحل المنطقى الذى إقترحه أحد علماء الإنسانيات بجامعة فلوريدا أن تكون الرحلات "عائلية" ، غالبا تتكون من 150 إلى 180 شخص من أزواج و زوجات بدون أطفال يمكنهم الإستقرار و السير على نمط حياة طبيعى يمتد 8 أجيال متعاقبة ، فيصبح من السهولة قطع السنوات الضوئية الطويلة فى عمق الفضاء خارج مجموعتنا الشمسية مهما كانت تلك المسافات طويلة!

سفر العائلات

لحل مشكلة ضرورة حمل معدات و لاوازم الرواد من طعام و شراب و معدات ، تعمل على تضخم حجم السفينة بشكل طردى مع زيادة المسافة المقطوعة، يمكن التغلب على ذلك بوضع الرواد فى ثبات عميق تحت ما يسمى بـ"التجميد الحيوى"، و فيه يتم تجميد أجسام الرواد فى حاويات مبردة بالنيتروجين السائل فى درجة حرارة تصل إلى - 186 درجة مئوية تحت الصفر، و معها تنخفض معدل العمليات الحيوية الحادثة فى الجسم و ينخفض معدل الأيض الغذائى للخلايا فيكون الرواد نيام فلا يستهلكوا طعام أو شراب أو طاقة و لن يشعروا بالمسافات الطويلة لحين الوصول إلى الكوكب المنشود من ثم يتم إيقاظهم من ثباتهم لأداء مهامهم. تنطوى تقنية التجميد على مخاطر كبيرة تتمثل فى أن الخلايا لن تتحمل البرد الشديد و قد يصاب الجسم بأنواع مختلفة من السرطانات إذا ما تعرض لها و ذلك لأن معاملة الخلايا بتلك الطريقة يتنافى مع طبيعتها و طريقة عملها.

تجميد رواد الفضاء

على جانب الآخر لابد من إيجاد حلول للمسافات الطويلة بدون الإضرار بالرواد أو الإضطرار إلى حملهم و عائلتهم!زيادة سرعة المركبات الفضائية لتقطع مسافات طويلة فى وقت أقل بكثير هو الحل الأمثل لتلك المشكلة. ظهرت العديد من الأفكار لمضاعفة سرعة المركبات منها إستخدام محركات الإندماج و الإنشطار النووى . كذلك إستخدام تقنية"المادة المضادة" و التى يمكنها أن تزود سرعة المحركات بشكل لا يصدق .تلك المادة المضادة ما هى إلا ذرة من مادة الهيدروجين مثلا و لكنها تحمل شحنة سالبة فعندما تتقابل مع ذرة هيدروجين غير مضادة التى تحمل الشحنة الموجبة الطبيعية فإنها تنتج طاقة هائلة، فيعتقد أن كوننا هذا قد تشكل نتيجة إنفجار مماثل بين ذرات من المادة العادية و المادة المضادة، فلك أن تتخيل ما ان امتلكنا و طوعنا تلك المادة فإنها سوف تدفع بنا إلى حافة الكون و ليس المجموعة الشمسية المجاورة فقط! و هذا هو ما نأمله لكى يتحقق الحلم البشرى فى استعمار الفضاء البعيد و يتمتد إلى حواف الكون و ما بعده...

تم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم المصادر:
1,2,3,4,5,6

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

من الأرض إلى الفضاء-2

الجزء الاول من المقال: من الأرض إلى الفضاء-1

من الأرض إلى يوروبا

ليس قمرنا "الأرضى" الوحيد الذى إتجهت إليه أنظار العلماء، لكن هناك أيضا أقمار لكواكب أخرى فى مجموعتنا الشمسية لديها بيئات مناسبة لإحتضان حياة بشرية بل و بشكل أفضل من قمرنا الأرضى.يوروبا هو القمر السادس ضمن 63 قمر على الأقل يدور حول كوكب المشترى. يعتقد العلماء أن يوروبا يحتوى على محيطات شاسعة من المياه تحت الطبقة الجليدية التى تغطى سطحه، و هو كم كافى من المياه لبدء حياة جديدة عليه

أما عن الأكسجين، فإن كسر طبقات الجليد تلك سوف تحرر كميات كبيرة من الأكسجين لتنطلق فى أجواء يوروبا. يعانى يوروبا من مشكلتين رئيسيتين ، الأولى أن درجات الحرارة على سطحه غالبا ما تستقر عند 173 - درجة مئوية تحت الصفر و هى المعدلات الطبيعية بالنسبة له بالنظر إلى موقعه كقمر لكوكب المشترى الذى يحتل المركز الخامس بعدا عن الشمس بنحو 773 مليون كيلو متر تقريبا! أما المشكلة الثانية هى تعرض يوروبا الدائم للمجالات الكهرومغناطيسية من الحزام الكهرومغناطيسي لكوكب المشترى. لا يستطيع البشر التعايش مع المجالات الكهرومغناطيسية الضارة أو درجات الحرارة القارصة، من ثم إقترح العلماء حلاً لكلا المشكلتين معا. يتلخص الحل المقترح فى بناء قواعد للبشر تحت القشرة الجليدية ليوروبا، بذلك يتقى شر البرد و يكون الجليد درعا واقيا من المجالات الكهرومغناطيسية،....هذا إذا وجدت الوسيلة أو الأداة التى تستطيع تكسير هذا الجليد الذى يعتبر فى حد ذاته تحدي أخر للحياة على يوروبا!

المشهد من أسفل جليد يوروبا

من الأرض إلى تيتان

فكرة إستعمار القمر تيتان ليست من أجل إعماره بالبشر فحسب،إنما لأنه منجم للمنتجات الهيدروكربونية كالغاز الطبيعى و النفط أكثر بمئة مرة مما أمتلكه كوكب الأرض يوما. تيتان أكبر أقمار كوكب زحل ، ثروته الهيدروكربونية تسقط على هيئة امطار من السماء و تتجمع على شكل بحيرات و أنهار تجرى على سطح تيتان. مكونات الغلاف الجوء لتيتان تشبه إلى حد كبير مثيلاتها للغلاف الجوى الأرضى ، فهو يحتوى على نسبة عالية من غاز النيتروجين الذى يعتبر أحد المكونات الرئيسية و أعلاها نسبةً فى غلافنا الجوى.


يعتقد العلماء بوجود محيطات مائية تحت سطح تيتان و غالبا ما تصعد إلى السطح على هيئة نشاط بركانى مائى ، يمكن إستخدامها كمصدر مياه اللازمة للحياه البشرية كما أنها سوف تكون مصدر هام للأكسجين الصالح للتنفس عن طريق معالجتها لكى تتحلل إلى مكونيها الأساسيين و هما الأكسجين و الهيدروجين بإستخدام عملية"التحليل الكهربائى". إلا ان العلماء لابد أن يتعاملوا مع مشكلات تيتان الذى يعانى من درجات حرارة منخفضة تصل إلى 179 – درجة مئوية تحت الصفر و التى لا ترتفع و لا لو قليل حتى أثناء ساعات النهار بسبب منع الغلاف الجوى الكثيف لتيتان مرور أشعة الشمس و منعها من تسخين سطحه. جاذبية تيتان أيضا تمثل مشكلة كبيرة لإنخفاضها نسبة إلى جاذبية الأرض ، تلك الجاذبية المنخفضة التى ثبت أضرارها الكبيرة على جسم الإنسان و تأثيرها السلبى على أنظمته البيولوجية.

من الأرض إلى الزهرة

كوكب الزهرة هو أقرب الكواكب شبها بالأرض لذا سمى بـ"توأم الأرض"، و ذلك لتقارب حجميهما و قرب المسافة بينهما حيث يعد الزهرة أقرب كوكب للأرض مقارنة بكوكب المريخ و ذلك ما يجعل الزهرة مرشح قوى للإستعمار. التقارب الحجمى بين الأرض و الزهرة يجعل قيمة الجاذبية على سطحيهما متساوية تقريبا، و هو ما يسهل على الرواد عملية التأقلم على الجاذبية بينما بالنظر إلى الرحلات للكواكب الأخرى فالجاذبية أحد العوامل التى لابد و أن توضع فى الحسبان. عدم كفاية الجاذبية على أى كوكب أو قمر أخر يحتم على الرواد إرتداء "هياكل خارجية" توفر لهم الجاذبية والإتزان و هو ما لن يحتاجوه على كوكب الزهرة على الإطلاق .على الرغم من تلك المميزات إلا أن بيئة الزهرة لا تكاد تقترب شبها من بيئة الأرض على الإطلاق و يكاد يكون من المستحيل العيش فيها! فدرجة الحرارة عند خط الإستواء قد تصل إلى 500 درجة مئوية و هى درجة حرارة تزيد عن درجة إنصهار الرصاص!هذه الحرارة سببها يرجع إلى أن جو الزهرة غنى بنسب كبيرة للغاية من غاز ثانى أكسيد الكربون الذى يسبب تأثير "الإحتباس الحرارى" على كوكب الزهرة. و الضغط الجوى هناك أكبر من الضغط الجوى للأرض بـ90 مرة و هو بذلك مساوى للضغط تحت 1 كيلو متر من المياه، هذا الضغط الشديد أدى بكل المهمات الفضائية على سطحه بالدمار التام و لم يصلنا معلومات عن سطحه سوى القليل من المسبارين الغير مأهولين "فينير 7" و "فينيرا 8"اللذان لم يستطيعا الصمود فى وجه هذا الضغط سوى ساعة واحدة فما بالنا بالبشر! اما القشة التى قسمت ظهر البعير هى أن الزهرة لا يحتوى على مياه على الإطلاق!

فى ظل هذه البيئة العدائية ما كان من العلماء إلا التفكير فى حلين لا ثلاث لهما. الحل الأول المعتاد فى تلك الحالات هو التأرض. أغلب المقترحات المقدمة فى هذا الصدد تجتمع على ضرورة إستخدام مظلات شمسية! هذه المظلات عاكسة فى طبيعاتها لكى تقلل تعرض كوكب الزهرة لأشعة الشمس مما يخفض قليلا من درجة حرارة سطحه و لحل مشكلة نقص المياه يتم قصف الكوكب بقنابل الهيدروجين ، الذى من المتوقع أن يتفاعل مع ثانى أكسيد الكربون فى مناخ الزهرة و ينتج عنصر الكربون و وفرة من المياه.

عملية تأرض الزهرة

أما الحل الثانى المقترح هو بناء مدن طافية فى جو الزهرة! الذى يعد أنسب مكان للحياة من الكوكب نفسه فعلى إرتفاع نحو 50 كيلومتر فوق سطح الزهرة تترواح درجة الحرارة من 0- 50 درجة مئوية و ضغط جوى 1 بار و هو مماثل تماما لظروف العيش على كوكب الأرض تماما.بناء العديد و العديد من تلك المدن فوق الزهرة يمكن أن يعمل كعازل لسطح الزهرة لحمايته من أشعة الشمس المفرطة التى تسخن سطحه و بذلك هى عملية تأرض للزهرة على المدى الطويل.

المدينة الطافية

عن طريق عملية التأرض سالفة الذكر أيضا يمكن تحويل قمرى المشترى جانيميد و كاليستو إلى بيئات شبه أرضية

كاليستو قبل عملية التأرض

كاليستو بعد عملية التأرض

جانيميد قبل عملية التأرض

جانيميد بعد عملية التأرض

يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم المصادر:
1,2,3,4,5,6

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

الطاقة القمرية

يسارع الجنس البشرى الآن فى عجالة من أمره نحو تطوير و تطويع مصادر الطاقة النظيفة و المتجددة المتمثلة فى طاقة الشمس و الرياح، فى زمن أصبح فيه مصير البشرية على المحك مع قرب نفاذ المخزون العالمى من الموارد البترولية و النفطية التى هى مصدره الوحيد للطاقة. إلا أن الإنسان يصبح أكثر إبداعا و إبتكارا فى أوقات الأزمات، ففى الوقت الذى انحصر فيه تركيز جموع العلماء على الطاقة المتجددة شمسية منها و ريحية ، أتى البعض الآخر بحلول مبتكرة لمشكلة الطاقة و تكمن تلك الحلول فى الحصول على الطاقة من "القمر".


إذا تحدثنا عن القمر فلابد من ذكر أنه أقرب جيران الأرض، الذى يبدد ظلام سمائها ليلا بضوء خافت ، ذلك الضوء الخافت هو أقصى ما يمكن أن يجود به القمر على الأرض، فهو بطبيعته جرم سماوى معتم يضئ بفعل إنعكاس ضوء الشمس على سطحه ، فلا هو مضئ بذاته و لا يشع حرارة. و بذلك يكون القمر مجرد جار ودود نتطلع إليه فى سماء الليل ، إلا أن العقول المفكرة وجدت الحل لمشكلة الطاقة من القمر، فمن تأثير جاذبيته "طاقة مائية" ، و من الغازات المختزنة فى تربته "طاقة إندماجية"، و من موقعه بين الشمس و الأرض "طاقة شمسية"!!

الطواحين المائية

إعتمد البشر لسنوات طويلة على القمر فى إنتاج الكهرباء فهى ليست فكرة مستحدثة، بإستغلال تأثير جاذبية القمر على الأرض و التى تسبب حدوث ظاهرة المد و الجزر. تنتشر السدود على المسطحات المائية حول العالم لتحصر المياه الزائدة فى أوقات المد و تطلق سراحها فى أوقات الجزر فتندفع بقوة لتدير توربينات تحول الطاقة الحركية إلى كهرباء تمد آلاف المنازل و المصانع. لكن ليست تلك هى الطريقة الوحيدة الممكنة للإستفادة من ظاهرة المد و الجزر ، فكما نستفيد من طاقة الرياح و نحولها إلى كهرباء بإستخدام طواحين الرياح ،يمكننا بالمثل الإستفادة من طاقة التيارات المائية لتتحول إلى طاقة كهربائية عن طريق طواحين مائية!!


فى قاع البحار و المحيطات تكون المياه فى حالة حركة دائمة متأثرة بسيطرة جاذبية القمر عليها.عندما يسطع القمر على بقعة ما على الأرض فإن منسوب ما تحتويه من مياه يرتفع و هو ما يعرف بالمد ،أما المناطق المجاورة التى لم ترى سطوع القمر بعد لا تتأثر بقوة جذبه فينخفض منسوب المياه لديها و هذا ما يسمى بالجزر.و لكن من أين تأتى المياه التى تسبب إرتفاع المنسوب فى حالة المد و كذلك إلى أين تذهب المياه المنقوصة فى حالة الجزر؟ و الإجابة على هذا السؤال أن المياه يعاد توزيعها بشكل عام فالنقص فى مياه الجزر تخدم الزيادة فى مياه المد ، بحيث أن المياه المنقوصة فى مناطق الجزر تتحرك بتأثير جذب القمر لترفع منسوب المياه فى مناطق المد لذا نجد المياه فى حركة دائمة ذهابا و إيابا بين مد و جزر.

المقطع المصور التالى يوضح إرتفاع مستوى الغطاء المائى للأرض تأثرا بجاذبية القمر و العكس بالعكس:



إذن طاقة الحركة تلك قادرة على تدوير شفرة مروحة عملاقة توضع فى قاع البحار و المحيطات ، تتصل تلك المراوح بتوربينات تحول الحركة إلى كهرباء تسرى فى كابلات طويلة وصولا إلى الشاطئ حيث شبكة توزيع الكهرباء.
تتميز الطواحين المائية بعدم حاجتها إلى مساحات من اليابسة أو مزارع واسعة لتُنشئ عليها، بعكس طواحين الرياح و هى أحد الأمور الموضوعة على طاولة النقاشات بشأن الطاقة فقد أصبحت المساحة المتاحة قضية محل إهتمام ، مع تزايد عدد سكان الأرض بشكل متطرد و بلوغ تعدادهم 7 مليارات نسمة فى عام 2011. ميزة أخرى تتمتع بها الطواحين المائية و هى أن التيارات المائية تتبع نمط ثابت يمكن التنبؤ به من زيادة أو نقص فى السرعة حسب دورة القمر و تأثيره من مد و جزر بعكس الرياح التى يصعب التنبؤ بوقت هبوبها و سرعته. و نطمئن القلقين بشأن الحياة البحرية بأنه لا تأثير لتلك الشفرات العملاقة عليها فسرعة دورانها بطيئة نحو 20 دورة فى الدقيقة لتسمح بمرور الأسماك و الكائنات البحرية من خلالها فلا تشكل خطرا على حياتها.

أول طاحونة مائية فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008

تم بالفعل إنشاء أول طاحونة مائية تجارية فى العالم عام 2003 تنتج 300 كيلو وات فى إنجلترا، و توالى إنشاء مئات الطواحين المائية حول العالم منذ ذلك الحين ، منها نحو 79 طاحونة مائية فقط فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2009 بالإضافة إلى 149 طاحونة أخرى بإنتظار الموافقة النهائية لتنتج طاقة نظيفة و آمنة تقدر بآلاف الكيلو وات، برغم من مواجهة توربيناتها لبعض التحديات مثل تحمل الظروف القاسية من الكثافة المرتفعة للمياه بالمقارنة بكثافة الهواء و مقاومة الصدأ.

الطاقة الإندماجية القمرية

...و من جاذبية القمر إلى تربته التى تزخر بملايين الأطنان من غاز "هيليوم-3 "، و بالرغم من عدم وجوده فى الطبيعة على الأرض إلا أنه مطمع للبشر، فهو الوقود المنتظر للتفاعلات الإندماجية. تلك التفاعلات مثيلة لما تحدث فى قلب الشمس و تولد الطاقة و الحرارة التى تصلنا هنا على كوكب الأرض، تحدث نتيجة "إندماج" أو إلتحام ذرتين أو أكثر لتصبح ذرة واحدة و يصاحب هذه العملية إنطلاق طاقة هائلة . تُعد تلك هى الطاقة المستقبلية التى يطمح العلماء فى التوصل إلى وسيلة لإنتاجها على كوكب الأرض لتكون بديلا للبترول و النفط، و هذه الوسيلة المرتقبة بالطبع هى مفاعل نووى "إندماجى" يتحكم فى تلك التفاعلات و ينظمها ثم يحول الطاقة الناتجة عنها إلى كهرباء تشبع حاجات البشر. تقنيات المفاعلات الإندماجية ما زالت قيد البحث و التطوير و من المتوقع أن تكون جاهزة للإستخدام التجارى فى غضون 20 سنة. فى هذه الأثناء لابد من البدأ فى عمليات البحث و التنقيب عن الوقود المحفز لتلك التفاعلات الإندماجية "هيليوم-3"....من تربة القمر.

قلب المفاعل الإندماجى "جيت" قيد التطوير

عملية التنقيب عن غاز الهيليوم-3 تعد هى المهمة الأصعب ولكنها تستحق بكل تأكيد ، فحمولة مركبة فضائية واحدة من هيليوم -3 بسعة 20 طن تكفى لإمداد الولايات المتحدة الأمريكية بالطاقة لمدة سنة كاملة. لكن هذا الأمر متوقف على مقدرة تقنية التنقيب الحالية على إستخراج هيليوم-3 من تربة القمر دون تكلفة عالية و هو الأمر المستبعد بالنظر إلى كون عنصر هيليوم-3 يمثل نسبة واحد على ثلاثة آلاف فقط من الهيليوم الكلى الموجود فى تربة القمر بالإضافة إلى أن نسبة الهيليوم نفسه تقدر بحوالى 10 إلى 220 جزء من المليون ،و الذى يعنى بالضرورة الحاجة إلى حفر ملايين الكيلوجرامات من التربة من أجل إستخراج كيلوجرام واحد من غاز هيليوم-3 !! و هو الأمر الذى أثار حفيظة العلماء المناهضين لمشروع التنقيب عن الهيليوم-3 فى تربة القمر آخذين فى الإعتبار أن العملية بأكملها بدأ من نقل المعدات المستخدمة فى التنقيب إلى عودة غاز هيليوم-3 الجاهز للإستخدام ، تعنى حرق مليارات من وقود الصواريخ ، و يرون الأمر برمته حل غير عملى على الإطلاق.

أجهزة التنقيب عن هيليوم-3 تختلف عن الأجهزة العادية التى تستخدم فى البحث عن البترول و الغاز الطبيعى فى باطن الأرض، و ذلك لأن الهيليوم يمثل جزءا لا يتجزأ من تربة القمر و لا يوجد فى آبار أو جيوب غازية فى باطنه. لذلك فإن التربة نفسها تخضع لتحليل و عمليات كيميائية تستمد طاقتها من أشعة الشمس التى يلتقطها الهوائى الخاص بمحطة التنقيب و يركزها لخدمة عملية التحليل و فى النهاية يتصاعد غاز هيليوم-3 منها و يعبأ فى إسطوانات.


جهاز التنقيب عن هيليوم-3 فى تربة القمر

تتميز الطاقة الناتجة عن المفاعلات الإندماجية القائمة على هيليوم-3 أنها نظيفة و صديقة للبيئة و ذلك لأنها تكون مشعة بقدر ضئيل جدا، تقريبا بنفس كم الإشعاعات الناتجة عن قسم العلاج الإشعاعى بالمستشفيات،بعكس المفاعلات النووية التقليدية التى تقوم على التفاعلات الإنشطارية و فيها تنشطر الذرة إلى أجزاء أصغر منها و يصاحب الإنشطار طاقة كبيرة تستغل فى إنتاج الكهرباء ،لأن الوقود المحفز فى المفاعلات الإنشطارية هو عنصر اليورانيوم المشع المتواجد فى الطبيعة على الأرض بعكس هيليوم-3 إلا أن تسربه يؤدى إلى كارثة محققة مثل تشيرنوبل تهدد بفناء البشر و الكائنات الحية على حد سواء.

هذا التخطيط الكامل للتنقيب عن و إستخراج هيليوم-3 من تربة القمر، كان جزءا من مهمة "مشروع العودة إلى القمر" الذى أسسه الرئيس الأمريكى جورش بوش عام 2004 و ألغاه الرئيس أوباما عام 2009 و الذى كان من المخطط له ببناء قاعدة قمرية أمريكية بحلول عام 2024 تبدأ فى تنفيذ مشروعات ناسا على القمر و من ضمنها مشروع التنقيب عن هيليوم-3 .فهل تتبنى وكالة فضاء أخرى المشروع أم يذهب أدراج الريح؟

حزام الطاقة

بعد كارثة مفاعلات فوكوشيما اليابانية أعادت الكثير من الدول التفكير بشأن مصادر طاقتها، لتتجنب أى مخاطر مستقبلية تتبع الخيار النووى. و عليه كشفت شركة "شيميزو SHIMIZU" اليابانية عن فكرة لتحويل القمر إلى محطة ضخمة لتوليد الطاقة ثم تعيد بثها إلى الأرض.كانت هذه الفكرة احدى مخططات ناسا للعودة إلى القمر إلا أنها توقفت أيضا بسبب إيقاف المشروع ككل كما ذكرنا سلفا، إلى أن جاءت شركة "شيميزو" لتعيد إحياء الفكرة مرة أخرى.

يتميز القمر بموقع إستراتيجى بين الأرض و الشمس فكما تتمتع الأرض بضوء الشمس ، ينال القمر أيضا قسطا وافر منه كافي لجعله مضيئا و تقدر كمية الطاقة التى تصله من الشمس بنحو 13000 تريليون وات تكفى نسبة واحد بالمئة منها لسد حاجة الأرض من الطاقة.

تسعى شيميزو إلى تنفيذ ذلك المشروع الضخم تحت إسم "حلقة لونا LUNA ring" و هى حزام من الخلايا الشمسية يغطى محيط القمر بالكامل من عند خط الإستواء يقدر بـ 6800 ميل طولا و 12 ميل عرضا حيث يتعرض خط الإستواء إلى كم ثابت و دائم من الضوء. تقوم الخلايا على الجانب المواجهه للشمس بتحويل الأشعة الضوئية إلى كهرباء تسرى فى كابلات طويلة حتى تصل إلى محطات الإرسال على الجانب الآخر المواجهه لكوكب للأرض. تعمل محطات الإرسال على تحويل الكهرباء إلى موجات ميكروية و أشعة ليزرية ثم تبثها إلى محطات الإستقبال على الأرض، و ما أن تتحول الموجات و الليزر إلى كهرباء مرة أخرى فإنها تتوزع حول العالم لتغذى حاجات البشر جميعا بشكل متساوى و عادل.

يتميز "حزام لونا" بالكفاءة العالية فى الإستفادة الكاملة من ضوء الشمس تصل إلى 10 أضعاف كفاءة المزارع الشمسية على الأرض ، فلا وجود لغلاف جوى يحيط بالقمر و بالتبعية لا سحب أو مناخ سيئ يمكن أن يؤثر على كفاءة وصول ضوء الشمس إليه. أيضا تدفق الطاقة من القمر إلى الأرض لا يتوقف 24 ساعة فى اليوم و 7 أيام فى الأسبوع، فى كل الأوقات يتعرض جزء منه للشمس بعكس المزارع الشمسية التقليدية التى تعمل نهارا بحسب الحالة الجوية و لا تعمل ليلا بالطبع.

تمتلك شيميزو رؤية كاملة لبناء حزام لونا من موارد القمر، بالنظر إلى تكلفة بناءه على الأرض و إرساله إلى القمر ثم مهمة تركيبه و تجهيزه ،تجعل الفكرة غير مقبولة. إلا أن شيميزو تنوى إستغلال موارد القمر مع بعض المساعدات البسيطة من الأرض و الأهم من ذلك هو الإعتماد بشكل شبه كامل على الروبوتات لبناء الحزام و التى يتم التحكم فيها عن بعد من كوكب الأرض!

عن المياه اللازمة للبناء فمن تربة القمر مع إضافة الهيدروجين المنقول من الأرض يمكن الحصول عليها . و الإسمنت أيضا يستخرج من التربة و بخلطه مع الحصى و التربة القمرية مرة أخرى نحصل على المواد الخرسانية للبناء. أما القرميد و الألياف الضوئية و المواد اللازمة الأخرى يمكن الحصول عليها بالمعالجة بحرارة الشمس. الخلايا الشمسية نفسها تصنع من السيليكون الذى يتوفر بنسبة 23 بالمئة من التربة و بذلك يتم توفير تكاليف وقود الصواريخ اللازم لنقل الخلايا و كذلك كلفة تصنيعها من موارد أرضية.سوف تبث حلقة لونا 220 تريليون وات من الطاقة ، و بينما يفقد جزء كبير منها فى الفضاء، يصلنا على الأرض 8.8 تريليون وات سنويا.

طبقا للجدول الزمنى الموضوع لتجهيز ذلك المشروع الطموح، من المتوقع البدأ فى تنفيذه فعليا عام 2035 بالتقنيات المتوفرة و المثبتة حتى الآن من خلايا شمسية و محطات إرسال ليزرية و ميكروية و حتى الروبوتات الآلية ، مع الأخذ فى الإعتبار عدم تحديد نسبة معينة للعقبات أو المشكلات التى قد تواجه بناء محطات الطاقة الليزرية على القمر.

القمر هو التابع الطبيعى للأرض و يعتقد أنه كان فى يوم ما جزءا لا يتجزأ منها ،لذا فإن إستغلاله لخدمة بنى آدم و ضمان إستمرار بقاءهم هو أمر ضرورى ، و بخاصة لإمتلاكه المقومات اللازمة لحل مشكلة عويصة تنتظرنا عاجلا أم آجلا، فمن القمر طاقة ثبث فى الأرض حياة...
_______________________

المصادر:

1,2,3,4,5,6,7,8,9,10

الصفحات